وعود مؤتمر الإستثمار تونس 2020: ثنائية تعميم الخسائر و خوصصة المرابيح

يقول الأديب الأورغواياني إدواردو غاليانو 'تُجعل المرابيح خاصة فيما تُعمم الخسائر'، مقولة قد تنسحب على الوضع الإقتصادي في تونس الذي بات أشبه بالقيد الثقيل الذي يكبل تطور الدولة على جميع المستويات، نظرا لإستمرار ركوده منذ 2011، رغم التحركات المنفردة و الجماعية على المستويين الحزبي و الوطني لحلحة الأوضاع و دفع محركات النمو و التنمية و الإستثمار، الثالوت الذي يشكل عماد الإقتصاد في دول العالم، ولعل من بين أبرز التحركات في هذا الخصوص هو المؤتمر الدولي للإستثمار تونس 2020، الذي كان شعاره ''على درب الإدماج والإستدامة والنجاعة''، في تجلّ صريح لسياسة ''الشعارات'' و معظلة ''الحبر على الورق''.

تاريخ 29 و 30 نوفمبر 2016 كان منطلقا لحلم مشروع و أمل موضوعي حول مستقبل مشرق للإقتصاد الوطني نظرا لرمزية الحدث و أبعاده الإيجابية على المستويين الإستثماري و المالي، حيث يعد المؤتمر الدولي للإستثمار من أكبر الدواعم الأساسية للنمو في العالم، من خلال الإمدادات المالية و الوعود الإستثمارية التي تمنحها القوى المالية العالمية للدول التي تعاني أزمات إقتصادية، وهو ماحدث فعلا في المؤتمر الدولي للإستثمار تونس 2020، إذ رصدت الدول المانحة دعما بأكثر من 34 مليار دينار تونسي، قيل أنه سيقع توجيهه لدفع النمو و دعم الإقتصاد الوطني، كما تم أيضا الإعلان عن جملة من المشاريع و الإتفاقيات التي قيل أيضا أنها ستدفع الإجراءات و الإستراتيجيات التي أقرتها الحكومة أنذاك.

ومن منا ينسى التصريح الشهير لرئيس الحكومة يوسف الشاهد في إختتام المؤتمر، حين قال 'إن تونس عائدة بقوة لأنها إستثمرت في الماضي في إنتقالها الديمقراطي و التونسيين قدموا تضحيات كبيرة و الحمد الله نتيجة هذه التضحيات بدأت تعطي ثمارها'، مذكرا حينها بمحصلة الوعود و الهبات كون الندوة الختامية للمؤتمر حققت أرقاما كبيرة تمثلت في 34 ألف مليون دينار تونسي من بينها 15 ألف مليون دينار إتفاقيات وقع إمضاؤها و 19 ألف مليون دينار تعهدات، أرقام جعلت الشاهد حينها يتكلم كثيرا عن المستقبل الواعد و القادم المزدهر و الغد الأفضل وهو مانرى عكسه اليوم، دون أن ننسى أنه طلب منا يوما ''باش ناقفو لتونس''، لنكتشف بعدها أن وعود مؤتمر الإستثمار بدورها وقفت في مكانها منذ أن تم الإعلان عنها.

هذا ولم يخفَ عن المتابع للشأن الإقتصادي وقتها حجم الأموال و المشاريع التي سيقت لمسامع التونسيين كأنها أحلام تحققت أو كادت، حتى أن أغلب الخبراء و المختصين أكدوا أن إنفراج الأزمة الإقتصادية بات مسألة وقت، فسقف 2020 الذي حدد كأجل أقصى لتحقيق الوعود الإستثمارية ليس بالبعيد.

خاصة و أن أخبار توقيع الإتفاقيات و الشراكات و المشاريع قد راجت كثيرا خلال يومي المؤتمر الذي دعي إليه القاصي و الداني و روج له على أنه 'العصى السحرية' التي ستنقذ البلاد و العباد، حتى ظن الكثيرون أن سحر الوعود التنموية يرش كالعطور في الندوات و المؤتمرات التي عقدتها الحكومة أنذاك للترويج للندوة الدولية للإستثمار، حيث صرح وزير التنمية والتعاون الدولي والاستثمار وقتها، فاضل عبد الكافي، بأن تونس تمكنت من توقيع عشرات الإتفاقات بلغ حجمها 15 مليار دينار وتعهدات قدرت بـ19 مليار دينار.

كما أكد الوزير حينها أن تونس وقعت مع فرنسا قروضا بقيمة 3 مليار دينار على مدى 4 سنوات ، و420 مليون دينار إضافية في شكل إتفاقيات قروض ميسرة ، و25 مليون دينار في شكل هبة، مشيرا إلى أن فرنسا وعدت بإعادة جدولة الديون التونسية وتحويلها إلى إستثمارات، فيما أعلن أن السعودية منحت تونس قرضا بقيمة 8.1 مليار دينار عن طريق الصندوق السعودي، ووقعت على إتفاقيات لتمويل ميسر على مدى 25 و30 سنة ، بنسبة فائدة في حدود 2 بالمائة، وفترة إمهال تتراوح بين 5 و7 سنوات، أما ألمانيا فقد منحت بلادنا قرضا عن طريق المؤسسة الألمانية للإعمار ، بقيمة 260 مليون دينار تونسي، ولم يخف على الوزير أن يذكر أن الحكومة وقعت مع البنك الأوروبي للإستثمار على عقد بقيمة 8.6 مليار دينار على 4 سنوات، ومع البنك الإفريقي للتنمية قرضا بقيمة 9.3 مليون دينار، فيما منح الإتحاد الأوروبي تونس 500 مليون دينار كهبة، بالإضافة إلى الوعود الإستثمارية و الشراكات الإقتصادية و القروض الميسرة و الهبات الخليجية و المنح البنكية الدولية، كلها مؤشرات كانت كافية لنا لنحلم جميعا أن الحكومة ستبني ماليزيا أو سنغافورة جديدة، غير أن الزمن كشف أن الواقع عكس ذلك.

لتبقى صورة التحضيرات و الترتيبات و الوفود التي زارت تونس خلال المؤتمر، راسخة في الأذهان، خاصة وأن الحكومة ملأت الدنيا حديثا عن 'حلفاء و أصدقاء و داعمين للتجربة التونسية' سيوفرون للبلاد حبل النجاة من الواقع الإقتصادي المتأزم.

ولم يطل الأمد حتى بردت الآمال و أحبطت العزائم وكُشف الواقع، إذ إنتهى فجأة الحديث و لو بالتلميح، عن الأرقام الضخمة و المشاريع الكثيرة التي رُصدت يومي 29 و 30 نوفمبر 2016، كأن وجهة المنح و القروض قد تغيرت أو أن القوى المالية أخلفت بوعودها تجاه تونس، ليحق بعدها السؤال عن مآل حصيلة المؤتمر الدولي للإستثمار و أسباب تأخر إنجاز الوعود، أو بالأحرى عن 'ضياع الحلم' ؟

أسئلة يطرحها المواطن البسيط في كل مرة يرى فيها أو يسمع عن عجز إقتصادي أو صعوبات مالية عطلت إنجاز مشروع حيوي في مكان ما، دون أن ينسى في المقابل أنه ضحى بالكثير ليدفع من جهته عجلة الإقتصاد، من خلال الضرائب و الزيادات و الإجراءات التي تمت مراكمتها على كاهله في كل مرة و مع كل إطلالة لوزير مالية جديد، و كأن قدره أن يكون الخاسر الأكبر في ظرف ربحت فيه الحكومات المتعاقبة الكثير من أموال القوى العالمية المانحة.

وهنا نذكر الحديث عن ''الإجرءات الموجعة'' من قبل بعض القائمين على الشأن المالي و السياسي في البلاد، حين تم التلميح لضرورة التضحية ماليا و إجتماعيا لإعانة الدولة على مجابهة الصعوبات الإقتصادية، قبل أن يتضح أن وجع الإجراءات لا يؤلم إلا الشعب، و أن الخسائر عُمّمت فيما تمت خوصصة المرابيح، كما قال غاليانو، أو أن المال لم يعد قوام الأعمال بل أصبح قوام السلطة دون أن ندري.