نهاية رجل شجاع..الأديب السوري 'حنا مينة' يغادر أشرعة سفنه بعد 9 عقود من العظمة

نهاية رجل شجاع..الأديب السوري 'حنا مينة' يغادر أشرعة سفنه بعد 9 عقود من العظمة

في عقده التاسع غادر الأديب والكاتب والروائي السوري والعربي الكبير حنا مينة أشرعة سفنه بعد رحلة من العظمة.

حنا مينة الأديب العصامي واجه شراعه العواصف طيلة تسعة عقود من النضال، لتنتهي به رحلة الحياة اليوم الثلاثاء 21 أوت 2018، عن سن يناهز الـ94 عاما. نهاية رجل شجاع هي العبارة التي تحكي عمر حنا مينة الذي ترك لنا ابداعا يستعصي عن الموت أخذه،

فهو الحي الميت والميت الحي الذي لا يموت أبدا، وهو الكاتب الأقدر على التعبير عن عذابه من بين غالبية الكتاب العرب، فهو المعذب النموذجي الذي يتعذب بصفته إنسانا، ويحول عذابه إلى فن بصفته كاتبا. انه الكاتب الذي يكتشف العذاب في تدبير الفن، تماما كما اكتشف القديسون فائدة العذاب وضرورته في تدبير الخلاص، لقد عاش الحياة لأنها جديرة بأن تعاش، عاش مغامرا بكل ما أوتي من قوة، ولم لم يكن حتى الأربعين من عمره يخطر على باله أنه سيكون كاتبا بهذه الشهرة، وعلى مدى العمر الذي عاشه لم يتوقف يوما عن الكتابة وظلت في قلبه تلك المهنة الحزينة مهنة الكتابة، التي شبهها في أحد لقاءاته الصحفية بــ ''المهنة التي لا انفكاك منها إلا بالموت''.

وكان قد أعلن في دمشق اليوم عن وفاة الروائي السوري حنا مينه، بعد عقود، قضاها في الكتابة والتـأليف الروائي، وأصبح واحداً من أشهر الروائيين السوريين والعرب، وعلى الرغم من أنه أوصى بعدم نشر خبر وفاته، في أي وسيلة إعلامية كانت، إلا أن وسائل الإعلام لم يكن بمقدورها التقيد، تحديدا، بهذا الشق من الوصية، فسارعت إلى نشر خبر وفاته.

وقبل 10 سنوات فقط كتب الاديب والروائي الكبير حنا مينة وصيته بخط يده، طالبا فيها بعدم نشر خبر وفاته عند حصولها: "عندما ألفظ النفس الأخير، آمل، وأشدّد على هذه الكلمة، ألا يذاع خبر موتي، في أية وسيلة إعلامية، فقد كنت بسيطاً في حياتي، وأرغب أن أكون بسيطا في مماتي". وشدد في وصيته التي أثارت تعاطف المثقفين والقراء إلى الحد الأقصى، لما تضمنته من إشارات حزينة عن نفسه، على أنه كرّس أدبه في صالح "نصرة الفقراء والبؤساء والمعذبين في الأرض".

وبعد أن يتقدم بالاعتذار، إلى جميع أقربائه وأصدقائه، يطلب منهم أن لا يحمَل نعشه، إلا بوساطة "أربعة مأجورين" من دائرة دفن الموتى أو من الكنيسة التي سيتم تأبينه فيها، إلى إهالة التراب عليه، في "أي قبر متاح" ثم ينفضون التراب عن أيديهم، كما شدد في الوصية، ويعودون إلى بيوتهم: "فقد انتهى الحفل، وأغلقت الدائرة".

وأكد الروائي الراحل، في الوصية، على أنه لا يريد أي حزن وأي بكاء وأي تعاز، من أي نوع، كما قال، وشدد على أنه لا يريد حفلة تأبين له. موضحاً في الوصية بعض تفاصيل ملكيته التي ترك بعضها لزوجته، وبعضها الآخر لـ"من يدّعون" أنهم أهله. ولد حنا مينه في عام 1924 في مدينة اللاذقية في سوريا، لعائلة فقيرة، وعاش طفولته في حي المستنقع في احدى قرى لواء اسكندرون.

احترف العمل بداية في الميناء كحمّال ثم احترف البحر كبحار على المراكب، واشتغل في مهن كثيرة، من اجير مصلّح دراجات، الى مربي اطفال في بيت سيد غني، الى عامل في صيدلية، الى حلاق، الى صحفي، الى كاتب مسلسلات اذاعية باللغة العامية، الى موظف في الحكومة، الى روائي، نوهنا المحطة قبل الاخيرة، اولى رواياته التي كتبتها كانت "المصابيح الزرق".

كتب اكثر من 30 رواية، منها ثمان خصصها للبحر الذي عشقه. من روايته الشهيرة "النجوم تحاكم القمر" و"القمر في المحاق" و"نهاية رجل شجاع" و"بقايا صور"... ومنها ما تحول الى اعمال تلفزيونية. يعتبر من اكثر الادباء انتشارا في العالم العربي بعد نجيب محفوظ والشاعر نزار قباني.وعلى صعيد الدراما تحولت روايته " نهاية رجل شجاع " إلى واحدة من كلاسيكات الدراما السورية ومن أبرز الأعمال في تاريخها حيث أدى بطولته النجم السوري أيمن زيدان وسوزان نجم الدين بالإضافة إلى الفنان سعد مينة نجل الأديب الراحل.

كان أدب حنا مينة واقعيا، وقال عن نفسه إنه كاتب الواقعية الاشتراكية، ويرفض الواقعية باعتبارها مدرسة في التعبير الأدبي تأخذ الواقع كما هو، فالواقع في الحياة في رأيه يصير واقعا فنيا في العمل الأدبي، وهو الذي قال مرة عشت في الخطأ، وكتب في الخطأ، وربما أموت أيضاً في الخطأ ولي أمنية واحدة أن أموت في البحر أو على مقربة منه.

أخبار ذات صلة