من يريد العلاج فليذهب إلى العاصمة

من يريد العلاج فليذهب إلى العاصمة

من يعود ليدرس تاريخ دولة الاستقلال في تونس سيلاحظ بشكل جلي أن المنظّرين الأوائل ركّزوا في برمجة تدخلاتهم على ثلاثة قطاعات أساسيّة اعتبروها العمود الفقري للدّولة الحديثة. هذه الدّولة لا يمكن أن تتماسك دون إدارة عصريّة وتعليم حديث ومنظومة صحّة عمومية ذات جودة عالية وانتشار تام على الرّقعة الجغرافية للبلاد. 

ويعتبر "مؤشّر الصحة" واحد من المؤشّرات الأساسية التي تعتمدها الأمم المتحدة في تقرير التنمية البشرية الذي يصدر كل سنة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. ولو اطلعنا على الأرقام الواردة في هذا التقرير، فيما يخص قطاع الصحة في تونس، مقارنين إياها بالمعطيات التي سجّلتها عديد الدّول الأخرى، في مجالنا الإقليمي العربي والمغاربي، سنرى أن التجربة التونسية تعتبر من أفضل التجارب خصوصا في ضل ضعف الموارد المالية.

لكن، مع هذا، علينا الحذر. هذه الأرقام الإيجابية نسبيا قد تخفي تفاوتات وحقائق مؤلمة. وأحد هذه الحقائق، معضلة أطبّاء الاختصاص في مؤسسات الصحة العمومية والتفاوت بين المستشفيات الساحلية ومستشفيات العاصمة والمستشفيات الجهوية. ففي تونس مثلا، تفيد الإحصائيات بوجود 186 طبيبا مختصا لمائة ألف ساكن، بينما ينحدر الرقم في ولاية تطاوين إلى 12 طبيبا مختصا لمائة ألف ساكن. وحسب تقارير وزارة الصحة فإن منظومة الصحّة العمومية تحتاج اليوم إلى ما يقارب 250 طبيبا مختصا في الجهات الداخلية.

فما هي الإجراءات التي اتخذتها الوزارة لتغطية هذا النقص؟

حتّى الآن لا نلاحظ أن وزارة سعيد العايدي تملك برنامجا متكاملا لحل هذا الإشكال. خلال أشهرها الأولى حاولت كسابقاتها تغطية هذا النقص عبر الاستنجاد بالأطباء العسكريين وانتداب الاطباء الأجانب وتشجيع الأطباء على الانتصاب وتركيز الأقطاب الصحية الخاصة في المدن الدّاخلية. هذه الإجراءات لم تأتي بالجديد.

في مرحلة ثانية قدّمت الوزارة مشروعا يتمثّل في بعث صندوق بميزانية 26 مليون دينار يمول "حصص استمرار" بمقابل مالي لأطباء الاختصاص في المستشفيات الجهوية في 6 اختصاصات أساسية (طب النساء والجراحة والتبنيج والإنعاش وجراحة العظام والأشعة). يعني أنه ستتم دعوة أطباء الاختصاص إلى القيام بحصص مستمرّة لمدّة 24 ساعة في المستشفيات الدّاخلية مقابل مبلغ مالي اعتبرته "مشجّعا" يتراوح بين 200 و400 دينار للحصّة المستمرّة الواحدة.  

عبد المجيد المسلمي، الأستاذ المحاضر بكلية الطب بسوسة اعتبر، أن هذا المشروع "غير منطقي وغير مدروس":" في ميدان طب النساء والتوليد فقط وفي شهر فقط سنكون بحاجة إلى 150 حصة مستمرة في 5 مستشفيات جهوية فقط أي ما يقارب 150 طبيبا (حصة مستمرة لكل طبيب) أو 75 طبيبا (حصتين في الشهر لكل طبيب).".

فما هي الإشكالات التي تعترض طريق هذا المشروع؟

أول هنات هذا المشروع ستكون مع إقبال الأطباء. المشروع يترك للأطباء حرّية اختيار انخراطهم من عدمه. لذلك يتوقّع أن يكون إقبال أطباء الاختصاص على المستشفيات الجهوية للقيام بحصص مستمرة تدوم 24 ساعة ضعيفا، خصوصا وأن الحوافز حسب تعبير العديدين غير كافية وغير مغرية.

 وحتّى إن انخرط الأطباء من باب الالتزام، فهناك عيديد الإشكالات الأخرى على المستويين المهني والأخلاقي، فالطبيب مجبر على متابعة الحالات التي يشرف عليها، إثر التدخلات الجراحية أو الطبية العاجلة. وطبقا لهذا المشروع، الطبيب لا يمكن له متابعة هذه الحالات، في حال حصول تعقيدات أو حتى في الحالات العادية، بعد عودته إلى مقر عمله الأصلي.

 الإشكال الثالث مهني وتنظيمي بالأساس ومرتبط بكون العمليات الجراحية لا تقتصر على العمليات الاستعجالية فأكثر الحالات تتطلب عيادات وعمليات جراحية مبرمجة مسبقا.

 من سيتحمل هذه المسؤولية في ضل غياب المختصيّن؟ وماهي الحلول؟

هذا السؤال سيبقى مفتوحا. وفي النهاية نعود إلى أن الحق في الصحة حق أساسي من حقوق الإنسان. وضمان هذا الحق لا يكون عبر مشاريع مرتجلة. الحل يكمن في بناء منظومة متماسكة، تضمن حق المواطن والطبيب في نفس الوقت. ومن الحلول المقترحة هو العمل الإجباري للأطباء المختصين المتخرجين حديثا في المستشفيات الداخلية لمدة معينة. لكن في نفس الوقت وقبل اتخاذ هذا الإجراء، على الوزارة السعي لمراجعة سلم التأجير بالنسبة لأطباء الاختصاص في المناطق الداخلية وتمكينهم من امتيازات تعوض الامتيازات التي يتمتع بها زملاؤهم العاملون في العاصمة والمدن الكبرى. ومن ناحية أخرى على الوزارة توفير البنية التحتية والموارد البشرية والأدوات التقنية واللوجستية اللازمة حتى يمارس الطبيب عمله في إطار لائق بشرف مهنته.