في الذكرى الخامسة للقاء باريس.. الغنوشي يخاطب الأصدقاء والخصوم برسائل ''الحنين والأمل''

في الذكرى الخامسة للقاء باريس.. الغنوشي يخاطب الأصدقاء والخصوم برسائل ''الحنين والأمل''

''لقاء باريس: الدروس والتحديات والآفاق''، هكذا عنون زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي مقالا نشره ليلة أمس الإربعاء 15 أوت 2018، عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الإجتماعي فايسبوك، تحدث فيه عن حيثيات ''لقاء باريس'' الذي جمعه برئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي (رئيس نداء تونس أنذاك)، منذ خمس سنوات خلت، أين إلتقيا ''للتباحث حول الأوضاع في البلاد''، وسط تعتيم إعلامي لم يستمر طويلا.

يوم 15 أوت 2013، كان يوما إستثنائيا للإثنين، زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، مدفوعا بضغوطات الشارع والتحديات التي فرضت مراجعة النهضة كحزب حاكم لخياراتها في إدارة شؤون البلاد، ومؤسس حركة نداء تونس الباجي قايد السبسي، زعيم جبهة الإنقاذ وقتها، والتي تأسست ''لإصلاح المسار وإنقاذ البلاد'' كما قال أصحابها حينها، حيث كان اللقاء ''نتيجة طبيعية'' لما آلت إليه الأوضاع و نقطة مفصلية في مسار الإنتقال الديمقراطي والإستقرار السياسي بعد مستجدّ الثورة و الحرية، اللتان شكلتا ظرفا ملائما ''للمراجعة والحوار ووضع النقاط على الحروف''.

الغنوشي إستهل مقاله بالإشارة إلى الإطار الزمني للمقال، حيث كتب ''تحل اليوم 15 أوت 2018 الذكرى الخامسة للقاء باريس الذي جمعني بفخامة رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي زعيم جبهة الإنقاذ وقتها، والذي كان منطلقا لمسار حمى البلاد بفضل الله سبحانه وتعالى من الفتنة والانقسام، وهيأ للثورة التونسية سبل النجاح لتواصل شق طريقها لطي صفحة الاستبداد والدكتاتورية بعد انهيار اغلب تجارب الربيع العربي''، وهي في مايبدو نظرة زعيم حركة النهضة للقاء الذي إعتبره إيجابيا على مستويات عديدة.

وتناول راشد الغنوشي في مقاله أيضا، الدوافع التي كان اللقاء محصّلة لها، من وجهة نظره، إذ قال ''كانت الأمور تسير نحو الفوضى التي لم يكن يفصلنا عنها سوى سلك رفيع يحول بين جمهور المعارضة المحتشد في ساحة البرلمان المعطل (اعتصام الرحيل) واعتصام (الشرعية) في نفس الساحة، وكان التحريض على أشده حتى تلحق تونس بركب الثورات المجهضة، وكانت التوقعات ان تحاول النهضة (العمودي الفقري للترويكا) استغلال الدولة لمصادمة معارضيها، وان يندفع النداء (القوة الاساسية في جبهة الإنقاذ) الى تأجيج الشارع لاستنساخ السيناريو المصري''، تحليل ينم على تسليم الغنوشي بأن ''حكمة'' النهضة و ''رصانة'' النداء قد أخرجتا البلاد من ''سيناريو سيء'' كان ليدخل البلاد في دوامة العنف، وإيمانه بأن الحركتين (النهضة والنداء) تمثلان قوة وازنة في المشهد السياسي أنذاك.

''سي الباجي''.. الغنوشي يذكّر ويُشير ويعترف:

تابع زعيم حركة النهضة مقاله، في سياق الحديث عن الظرف الزمني للقاء، حيث أشار لمدى ''عسر تنظيم إجتماع بين الطفين''، قائلا: ''رغم ان كل أطياف المعارضة يميناً ويسارا قد تداعت على التسليم بسي الباجي زعيما لجبهة الإنقاذ رغم اختلافاتها الراديكالية معه، إلا أن سي الباجي أطل من شاشات التلفزة في مثل هذا الشهر من سنة 2013 مادا يده للحوار، فلم تتأخر استجابتي، وحتى من لامني وقتها على الذهاب الى باريس للقائه، اجبته لو كان الذهاب الى قواتيمالا مفيدا لتونس في درء الفتنة المخيم شبحها على البلاد ما ترددت، المهم المضمون لا الشكل، ان مصلحة الوطن مقدمة عندنا على كل مصلحة اخرى''، مضيفا ''لم تكن المهمة سهلة بالنسبة للطرفين، رغم أني كنت قبل اقل من أسبوعين قد خطبت في ساحة القصبة يوم 3 أوت 2013 في تلك الجموع الهادرة (قدرت بأكثر من ربع مليونا) كان المنتظر ربما من رئيس حركة النهضة خطابا حماسيا يرد على خطاب الكراهية والتحريض من الطرف الاخر، وليس الدعوة الى الوحدة الوطنية والمصالحة بين التونسيين''.

وتابع الغنوشي: ''كان موقفي نابعا من من ان تلك الجماهير الهادرة في القصبة أو المتواجدة في ساحة باردو تنتظر من قادتها وزعمائها شيئا اخر غير لغة الحقد والتحريض، غير الاستسلام للأمر الواقع وقتها وهو الانجرار وراء الفتنة والانقسام وفض الخلاف بالقوة لا بالعقل والحوار، جماهيرنا كانت تحتاج دعوة الى العيش المشترك ونكران الذات وتقديم مصلحة الوطن على الأحزاب والكيانات والافراد والتأسيس لقيم التصالح والسماحة والتوافق والوحدة الوطنية والقبول بالاخر وملاحقة فكر الاستئصال والاقصاء والتطرف الخطر الأعظم على الثورة بالامس واليوم وغدا''.

وبحديثه عن ''التنازلات'' التي قدمها نصرة للحوار أنذاك، أكد الغنوشي أنه تحكّم في حماس ''جماهير النهضة الغفيرة'' بحثا عن ''الهدوء'' ودعوة ''للعيش المشترك'' و''نكرانا للذات''.

اللقاء مناورة.. صفقة أم ضرورة؟.. من وجهة نظر الغنوشي:

متحدثا عن لقاء باريس، وكاشفا للظروف التي حامت حوله، وواصفا للمخرجات التي إنبثقت عنه، ومستعرضا لأبرز أهدافه، ومثنيا على ''حكمة الطرفين''، ضمّن الغنوشي في مقاله لمحة عن حيثيات إجتماع العاصمة في الفرنسية في 2013، حيث كتب: ''لقاء باريس الذي هيأ الظروف لمسار كامل من التوافق السياسي والمجتمعي فتح الأبواب امام الاستجابة الشاملة لدعوة منظمات المجتمع المدني الى الحوار الوطني وهيأ لحزبي النهضة والنداء سبل النجاح في قيادة الحياة السياسية نحو التهدئة بوجود حزبين كبيرين لهما قدرة على تأطير الشارع وإحلال التوازن الذي اختل بعد انتخابات أكتوبر 2011''.

وتابع في نفس السياق، ''خرجنا والحمد لله من الأزمة بعد توافق، لم يكن صفقة انتهازية أو خيارا تكتيكيا أو مناورة ظرفية، النهضة خرجت من الحكم ولكنها لم تخرج من السياسة، لم تنقذ نفسها وحسب من محرقة كانت تعد بل انقذت بانسحابها من السلطة الثورة من الارتداد، انقذت ما غدا يعرف بالنموذج التونسي والاستثناء التونسي، واحة للحرية والديمقراطية وسط فضاء عربي ضربه إعصار مدمر، لم يعد يسيرا بعدها ترداد، ان كانت كل الشعارات المرفوعة وقتها بأن الديمقراطية هي بالنسبة النهضويين مجرد سلّم للوصول الى السلطة واحتكارها الى ما لا نهاية له.''

وعن دور النداء في ''إنجاح المسار'' كتب الغنوشي: ''اما النداء فقد أعطى بتلك الخطوة التاريخية من زعيمه ومؤسسه طابعا جديدا للمعارضة في عصر الديمقراطية وهي انها فعل بناء وإيجابي يرفض العدمية والتطرف والخيارات القصووية''، في إشارة منه إلى أنه علاوة ''على إصلاح البلاد فقد تم كذلك إصلاح مسار المعارضة'' و إعطائها ''طابعا إيجابيا''، وفق تعبيره.

تجربة الحوار.. تزاور وتحاور وانفتاح:

كشف راشد الغنوشي في مقاله عن لقاءات متسلسلة جمعته بالباجي قايد السبسي بعد ''لقاء باريس''، حيث أسست لـ''تقاليد جديدة في الحوار''، كما وصفها في الجزء الذي قال فيه: ''منذ لقاء باريس، الذي أعطى إشارة انطلاق سلسلة من اللقاءات بعيدا عن الصخب الإعلامي في منزل سي الباجي أو في منزلي، بالتوازي مع الحوار الوطني والى غاية موفى سنة 2014، لتبدأ تقاليد جديدة في الحوار والتشاور بين فخامة رئيس الجمهورية ورئيس حركة النهضة، أصبحت لتونس تجربة في إدارة الاختلاف السياسي بطريقة ديمقراطية قائمة على التداول السلمي على السلطة''.

وعدد الغنوشي في مقاله، سلسلة ''المتغيرات'' التي طرأت على العلاقة بين الطفين (النهضة والنداء)، حيث كتب: ''فقد انتصر النداء في انتخابات 2014 فبادرت بتهنئة رئيس الحزب الفائز حتى قبل صدور النتائج النهائية مسجلا حالة أولى من نوعها في بلاد العرب، وقبلت النهضة بعد ان كانت تقود الحكومة المشاركة الرمزية في الحكم لتحصين المسار الجديد من العابثين والمتآمرين، وكم سعدنا بأن شعبنا كافأنا بالفوز في الانتخابات البلدية دون ان يتحول هذا الفوز الى مصدر لإرباك توازنات المشهد القائم، او مبعثًا لغرور وتغول، فحاجة البلاد وسكينتها تبحر في بحر متلاطم احوج الْيَوْمَ وغدا لنهج التوافق كما كانت أمس، وذلك بعد سنوات لم تخل من تباين في وجهات النظر ومن تنازلات متبادلة ومن تعارض احيانا بين طابع المنافسة الذي يميز العلاقة بين الأحزاب الطامحة دائما لان تكون في صدارة الانتخابات والأكثر تأثيرا في الشارع، وبين ضرورات الحفاظ على مقومات التعايش وإدارة الاختلاف تحت سقف الحوار البناء، ولكننا كنّا نجد أنفسنا والحمد لله عند كل اختبار أكثر تمسكا بميثاق العيش المشترك، وأكثر استعدادا لمواجهة التشدد في الرأي، حتى تبقى الوسطية مفتاح كل حل والضامن الأساسي لأمن البلاد ووحدة المجتمع''.

الجزء الثاني: الرسائل الست والهدف الواحد:

من منطلق المتغيرات الحاصلة مؤخرا، ومتابعة للتطور الواقع في العلاقة بين الطرفين، والتي ذُكرت في المقال ببعد ''إعترافي''، أردف زعيم حركة النهضة الجزء السالف من مقاله، بستّ نقاط، هي ''إلتزامات'' و''إعترافات'' و''مقترحات''، حول اللقاء المذكور، والوضع السياسي في البلاد و مستقبل التوافق بين الطرفين، حيث كتب: ''وإني أؤكد هاهنا :

أولا : الالتزام التام بخيار التوافق مع رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي واعتباره الإطار الأمثل للحوار حول كل القضايا للوصول الى حلول وبدائل وتوافقات، بعيدا عن منطق الغلبة وفرض الرأي، وهو المنهج الذي توافقنا عليه في باريس وتوقفنا بعون الله وحمده الى الحفاظ عليه.

ثانيا : ان التوافق أرضية خصبة لكل حوار جدي بين مكونات المجتمع وهو خيار استراتيجي لحركة النهضة وهو ما ظهر جليا في موقفنا من الدستور الذي راهنا على ان يكون موحدا لا مقسما أو مفرقا وكانت جلسة المصادقة عليه عرسا وطنيا خالدا والحمد لله، ومن المنطلق ذاته ندعو الى تبني نفس استراتيجية الحوار والبحث عن افي معالجة المستجدات والنأي بالمجموعة الوطنية عن كل ما من شأنه احلال الفرقة والتطاحن والتباغض، وفِي هذا السياق نؤكد اننا سنتفاعل مع مبادرة رئيس الدولة حول الإرث حين تقدم رسميا الى البرلمان، بما تقتضيه من الحوار والنقاش للوصول الى الصياغة التي تحقق المقصد من الاجتهاد وتجعل من تفاعل النص مع الواقع أداة نهوض وتجديد وتقدم لا جدلا مقيتا يفرق ولا يجمع، ويفوت على التونسيين والتونسيات المزيد من فرص التضامن والتآلف، وتساعدنا جميعا على المضي قدما في تحقيق ازدهار المرأة التونسية، وهذه مناسبة أنوه فيها بانتخاب الأخت سعاد عبد الرحيم أول رئيسة لبلدية تونس كما أهنئ كل من حظين بهذا الشرف في البلديات الاخرى سواء من المترشحات على قائمات النهضة (اكثر من أربعين سيدة) أو القائمات الاخرى.

ثالثا : أن دعوتنا الى الاستقرار الحكومي لم تكن متعارضة مع خيار التوافق مع رئيس الجمهورية أو بحثا عن أُطر بديلة عنه بل تقديرا للمصلحة الوطنية، فلم يكن من الممكن تغيير حكومة في ذروة الانتخابات البلدية وقبل ان تستلم المجالس المنتخبة مسؤوليتها، ولا في ذروة الحوار مع المؤسسات الدولية المانحة، ولا في ذروة الموسم السياحي في ظل تهديدات ارهابية لا مجال لمواجهتها بحكومة تصريف اعمال، ولا قبل فترة قصيرة من الأجل الدستوري لإيداع قانون المالية القادم في مجلس نواب الشعب.

ومن هذا المنطلق فإننا نجدد دعوة كل الأطراف الى معالجة الاختلافات حول هذا الموضوع في إطار الحوار والبحث عن الحلول المعقولة سياسيا والمقبولة دستوريا في كنف الاحترام الكامل للمؤسسات، والنأي بوطننا عن كل ما من شأنه ان يعيق مسار انتقاله الديمقراطي ونحن على مشارف سنة انتخابية هامة، وفِي ظل وضع اجتماعي واقتصادي يحتاج حوكمة رشيدة وعادلة ومستقرة وناجعة في معالجة مشاكل الناس قبل تحولها إلى أزمات مستفحلة، وفِي مواجهة ارهاب متربص يرى تونس باعتبارها نموذجا للتعايش بين الاسلام والديمقراطية خطرا على استراتيجيته التكفيرية الاجرامية الشريرة، الذي نؤكده انفتاحنا على كل الحلول عبر الحوار الجاد بحثا عن التوافقات الضرورية.

رابعا : أن التنافس الحر هو من صميم الديمقراطية وان الطموح الشخصي للوصول الى الحكم عبر الصندوق حق دستوري لا يمكن المساس به أو إدانته، ولكن وكما قلنا سابقا فان الديمقراطية الناشئة لها مقتضياتها، فتونس لا يمكن ان تُحكم في تقديرنا بمنطق الأغلبية والأقلية وأن نتيجة الصندوق لا يجب ان تتنافى مع ضرورة الحفاظ على إمكانية التوافق على منظومة حكم مستقرة، ولنا في النموذج الألماني خير مثال وحافز، ومن منطلق خصوصية التجربة فإننا نجدد التأكيد على أن مواجهة تحديات المرحلة القادمة تقتضي تفرغ الحكومة لمهمتها في التنمية ومحاربة الفساد بعيدا عن التجاذبات الانتخابية والحزبية.

خامسا : إدانة حملات التشويه التي تدار بطريقة منهجية عبر ترويج الاكاذيب وبث الفتن والتحريض على الشخصيات السياسية والأحزاب ورموز الدولة وإطاراتها بما قد يعكس لدى البعض رغبة في العودة الى اجواء الاحتقان والتشنج، وإننا اذ ندين بكل شدة ما تعرض له بالخصوص رئيس الدولة من ثلب وتهجم فإننا ندعو أجهزة الدولة الى التحرك ضمن القانون لضرب العابثين بالشبكات الاجتماعية، كما ندعو وسائل الإعلام الى الانخراط في ميثاق وطني ضد العنف اللفظي وثقافة التشويه ونشر الأخبار الزائفة حتى تبقى حرية التعبير التي أهدتها الثورة لتونس عنوانا من عناوين الحرية والديمقراطية لا سببا للفوضى والتشرذم.

سادسا : أن التوافق السياسي لا ينفصل عن التوافق الاجتماعي والمجتمعي وأننا نجدد الدعوة الى اعادة الاعتبار لثقافة العمل والإنتاج والمبادرة باعتباره السبيل لتنمية الثروة الوطنية والتقليص من الحاجة الى التداين، وإذ نعبر عن دعمنا الكامل لكل ما من شانه تحسين المقدرة الشرائية للإجراء في تناسب مع إمكانيات الدولة والقطاع الخاص، فإننا ندعو كل الأطراف الى دعم المؤسسة الاقتصادية وبذل الحوافز للمستثمرين التونسيين والأجانب لتشجيعهم على احداث المشاريع وخلق مواطن الشغل وخاصة للشباب وأبناء المناطق الداخلية وازالة كل معوقات الاستثمار، ولا سيما ما يتصل بمنظومة التشريع وخاصة في مجال حرية الصرف وإزاحة القيود والعراقيل التي تكبل العملاق التونسي المتحفز للانطلاق.

نقاط يمكن أن تشكل ''رسائل خفية'' للأصدقاء والخصوم على حد سواء، كما انها تدخل في إطار حاجة النهضة للرد على ''التساؤلات'' التي برزت مؤخرا، بعد خطاب رئيس الجمهورية يوم 13 اوت، لتثبت أنها ''هنا الآن''، تترقب وتكيل وترد.

الخاتمة: آمال وآجال وطموحات:

إختتم الغنوشي مقاله، بسرد ''النجاحات'' و''التحديات'' التي شهدتها تونس في السنوات الماضية، والتي رأى فيها ''دوافع'' لأن يرسل جملة من الرسائل، ضمنها في النص التالي:

''لقد حققنا معا بفضل الله تعالى بلقاء باريس الكثير لوطننا، واننا اذ نحتاج الْيَوْمَ اكثر من اَي وقت المضى استحضار الدروس واستلهام العبر من تلك المبادرة التي كانت تبدو وقتها حلما صعب المنال في ظل أزمة سياسية ما زالت تراوح مكانها رغم نجاحنا في الحد من تأثيرها السلبي في استقرار منظومة الحكم، فإننا نؤكد ان الادارة الجيدة للتوافق خلال السنوات الماضية ماتزال مفتاحا للحل وخزانا للأمل والتفاؤل بالمستقبل.

لقد نجحنا في كتابة دستور الجمهورية الثانية وطوينا بانتخابات 2014 صفحة الحكم الانتقالي، لتحقق الديمقراطية احد ابرز انتصاراتها بإجراء الانتخابات البلدية والشروع في تركيز أسس الحكم المحلي ليبقى الرهان الاقتصادي بكل تجلياته مشغلنا الذي لا يجب ان يغيب عنا في مرحلة تاريخية تترسخ فيها قدم وطننا تونس يوما بعد يوم في عالم الديمقراطية نموذجا ناجحا صامدا امام الصعاب والمخاطر، مؤكدا أن الاستثمار في الديمقراطية والحريّة ومهما بدا مكلفا وشاقا فإنه أفضل من الرهان على الدكتاتورية التي قطعت معها بلادنا دون رجعة والحمد لله.

نحن على يقين بان هذا الشعب العظيم الذي صنع ثورة عظيمة لا تزال مصدر الهام للشعوب المقهورة، وتمكن من المحافظة عليها وسط الاعاصير، وحولها ديمقراطية معاصرة عبر التوافق، قادر عبر العمل الناصب والابداع والوحدة الوطنية، على ان يواصل مسيرته المظفرة، فيصنع نموذجا تنمويا راقيا يوفر الحياة الكريمة لكل الفئات والجهات .

"وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون الى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كُنتُم تعملون" التوبة 105.

ومن هنا يتجلى ''وعي'' زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، بضرورة أن يدلو بدلوه في ''الجدل'' الحاصل مؤخرا حول جملة من المسائل لعل أبرزها تقرير لجنة الحريات والذي تزامن مع الوضع السياسي المشحون وساير علاقة الطراف الحاكمة التي باتت ''فاترة'' نوعا ما، فهل نجح الغنوشي من خلال مقاله ''الرسالة'' في إيصال مبتغاه وتبليغ مقاصده للأصدقاء والقواعد والخصوم والشعب والمجتمع الدولي؟