حوارات فيينّا وآليّات الحلّ

حوارات فيينّا وآليّات الحلّ

ستجلس إيران والعربيّة السعوديّة أخيراً على طاولة «حوار» واحدة. وسيكون الحوار حول سوريا وسبل إنهاء أزمتها. لكنّ ملفّات أخرى، كاليمن والاستقرار الإقليميّ في سياق ما بعد الوصول إلى اتفاق حول الملفّ النوويّ الإيرانيّ، ستكون بالطبع حاضرة في الأذهان... وفي الأروقة. من الواضح أنّ آليّة «حوارات فيينّا» تعمل بوتيرة متسارعة وتشكّل تجسيداً عمليّاً للشطر الأوّل من مبادرة المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا، الخاص بإنشاء «مجموعة اتصال دوليّة ـ إقليميّة»، لمحاولة وضع أسس التوافق حول حلّ الأزمة السوريّة. واللافت أن هذه الآلية أطلقت مبادرة تمسك روسيا بأحد طرفيها، وهي التي تدخّلت عسكريّاً في سوريا بوتيرة يبدو أنّها قابلة للتسارع، فيما الطرف الآخر بيد الولايات المتحدة التي تلوّح كذلك بزيادة تدخّلها العسكريّ المباشر.

هكذا ترتسم في الأفق فكرة إنشاء آليّة في فيينّا تشبه آليّة الملفّ النوويّ الإيرانيّ. لكن النواة الصلبة لمثل هذه الآليّة لم تتضح بعد. ذلك أن الاجتماع الأوّل يقوم على قوّتين فاعلتين إقليميتين رئيسيتين في الأزمة السوريّة دون غيرهما، هما العربيّة السعوديّة وتركيا. وهذا أمرٌ له دلالاته لما لهاتين الدولتين من أثر في الصراع السوريّ، ولأنّ موقفيهما يتباينان إلى حد التناقض تقريباً حول مرحلة ما بعد التغيير في سوريا، بمعزلٍ عن توافقهما الخطابيّ حول ضرورة رحيل رأس السلطة السوريّة. كما يعني أنّ كلاً من السعوديّة وتركيا لا تعتبران روسيا «عدوّاً» بعد تدخّلها العسكريّ كما تلوّح به وسائل إعلام وبعض أوساط المعارضة السوريّة. وإلاّ، فلا يُمكن تفسير الاتفاق الأمنيّ الأردنيّ - الروسيّ حول سوريا، ولا ردّة الفعل التركيّة المضبوطة حتّى الآن.
أمّا الاجتماع الثاني فيظهر أنّه سيبدأ بالبناء على ما جرى في الأوّل، وعلى الاتصالات الجانبيّة المتواترة منذ انعقاده على المستويات الأعلى، كي يضمّ بالإضافة إلى إيران حلقة ثانية من اللاعبين الإقليميين والدوليين. وربّما ستتضح خلال هذا الاجتماع كيف ستترتّب حلقات «الحوار» الإقليميّ - الدوليّ حول الأزمة السوريّة. وهل ستكون حلقة واحدة على شاكلة «مجموعة 5+1»، أم حلقتين؟ وكيف ستتمّ إدارة انخراط بعض الدول كي لا تعقّد سبل الحرب للمزايدة على مصالحها الخاصّة؟
يتسارع الزمن الإقليمي ـ الدوليّ إذاً حول سوريا، بعد تسارع الزمن العسكريّ إلى مستوى فتح المجال لإيضاح اللعبة الاستراتيجيّة الكبرى التي هي قيد «الحوار» بين القوى الفاعلة الأساسية.. ويُمكن توقّع تصعيد الزمن العسكريّ إلى مستوى أعلى إذا ما فشل الزمن الإقليميّ الدوليّ في تحقيق توافقات رئيسة.
وبالتوازي، يبقى الزمن السياسيّ السوريّ ـ السوريّ بطيئاً، بل يبقى معطّلاً. ولهذا التعطيل أسباب جوهريّة. فالسلطة كما أجسام المعارضة السياسيّة المعروفة تعوّدت على منطق المزايدة المستمرّة حتّى على مواقف الدول الداعمة لها، ولم تعُد قادرة على المبادرة الذاتيّة. وأهمّ من ذلك موقف الفصائل المسلّحة المقاتلة على طرفي الصراع حيث لا يُمكن للحرب أن تتوقّف من دون أن تتحوّل إلى منطق الدولة والسياسة والانفتاح على الآخر، وما تعني ترجمته على أرض الواقع قطيعةً حاسمةً مع الفكر الجهاديّ والمتطرّف. وما يتطلّبه ذلك من تطوّر في سبل التعامل الإقليميّ - الدوليّ مع هذه الفصائل أبعد من مجرّد الدعوة إلى الحوار، كما تقترحه موســــكو مثلاً على فصائل المعارضة المسلّحة.
لا يعني هذا فقط موقفاً توافقيّاً إقليميّاً ودوليّاً حول مصير السلطة في سوريا، وإنّما قبل ذلك ينبغي العمل لوقف الحرب وتخفيف المعاناة، بل إنهائها، وخلق «مناخ حياديّ» بين السوريين، كما جاء في نصّ وثيقة «جنيف 1»، ما يُمكن أن يؤسّس لدولة المستقبل.
بالتالي، يُمكن أن يتوقّع المرء أنّ «حوارات فيينّا» لن تكون عن مصير السلطة الحالية في سوريا فحسب، بل أوّلاً، وأساساً، عن سبل تطوير التعامل مع المقاتلين من الطرفين من أجل خلق إمكانيّة لوقف الحرب والبحث عن كيفية ما يصنع مناخاً محايداً، علماً أنّ حسابات المصالح الجيوستراتيجيّة والاقتصاديّة للدول المشاركة لن تكون بعيدة.