تونس: نهاية أسبوع ساخنة

تونس: نهاية أسبوع ساخنة

الجمعة 26 جوان 2015، على السّاعة منتصف النهار وبعض الدقائق انتشر الخبر في وكالات الأنباء العالميّة والمواقع الإخباريّة الوطنيّة بسرعة الضوء. كل المكاتب الصحفيّة ألغت برامج عملها وكل المراسلين حوّلوا وجهتهم وتسمر محررو الأخبار أمام خبر واحد: القرية السياحيّة القنطاوي بمدينة سوسة الساحليّة من الجمهريّة التّونسيّة تتعرض لهجوم إرهابي شنيع يخلف وراءه مجزرة. الهجوم استهدف بشكل مباشر منتجع " إمبريال مرحبا " وهو على ملك النّائبة عن حزب نداء تونس بمجلس النواب زهرة إدريس.

الأنباء متضاربة حول عدد الضحايا وجنسيّاتهم لكن شهود العيان يؤكدون أن أغلبهم من السيّاح. تفاصيل الحادث مازالت غامضة، المعطى الوحيد المؤكّد أن الشرطة السياحيّة تمكّنت من القضاء على الإرهابي بعد تبادل عنيف لإطلاق النّار. القنطاوي تحوّل إلى مسرح للتحقيقات وللعمليّات الأمنيّة. وكيل الجمهوريّة، الشرطة الفنّية، الفرق المختصّة في مكافحة الإرهاب، الجميع على أهبة الاستعداد وكل المناطق المجاورة للنزل تخضع لعمليّة تفتيش دقيقة. الشكوك تحوم حول وجود إرهابي ثاني في حالة فرار والأنباء تؤكّد القبض على مشتبه فيهم.

شهود العيان أكّدوا أن الإرهابي شاب في العشرينات من العمر، لا يحيل مظهره على الشبهات، طويل الشعر ويرتدي قميصا وتبّانا أسودين. دخل الإرهابي النزل عبر الشاطئ وهو يحمل شمسيّة بحر خبأ بداخلها سلاح الكلاشينكوف.  أفادت المعلومات أنه وصل القنطاوي عبر منطقة شط مريم مشيا على الأقدام وحين عاين النزل المطلوب بدأ بفتح النّار على السّياح. كما أكّد شاهد آخر أن الإرهابي كان يختار ضحاياه من السياح الأجانب ويتعمّد تجنّب التّونسيين.

من الواضح أنّ الإرهابي لم يكتفي بمهاجمة المصطافين على الشاطئ بل دخل النزل وأوقع عديد الضحايا في الدّاخل قبل أن تواجهه قوات الأمن في طريق فرعي مجانب للمنتجع بعد حوالي الأربع دقائق من بداية العمليّة حسب ما صرّح به مصدر أمني.

تم القضاء على الإرهابي وبدأت فرق الإسعاف الاستعجالي وفرق البحث وفرق الحماية المدنيّة في الوصول إلى مسرح الجريمة، كما بدأت الأنباء عن عدد الضحايا وجنسيّاتهم ومدى خطورة حالة المصابين تتواتر. أمّا هويّة الإرهابي فقد بقيت مجهولة حتّى ساعات متأخرة من المساء قبل أن يصرّح محمد علي العروي النّاطق باسم وزارة الدّاخليّة في تدخّل على قناة نسمة أن الإرهابي يدعى سيف الدين الرّزقي، من مواليد 1992، أصيل معتمديّة قعفور من ولاية سليانة ويزاول دراسته كطالب مرحلة ثالثة بأحد كليّات مدينة القيروان. أمّا رئيس الحكومة فقد أكّد فيما بعد خلال مؤتمر صحفي أنه لا توجد لمنفّذ العمليّة أي سجلات بملفات وزارة الدّاخليّة.       

تواصلت عمليّة معاينة الجثث ونقلها وإسعاف الجرحى إلى وقت متأخر، تم تقسيم المجهود الإستشفائي بين مستشفيي سهلول وفرحات حشّاد بسوسة. كما وصلت فرق من الأخصّائيين النفسيين للاهتمام بباقي السياح الذين عايشوا لحظات الهجوم المفجعة.

السياسيّون أيضا كان لهم نصيبهم من الفاجعة. فمنذ الإعلان عن الحادث انطلق  نحو سوسة وفد من رئاسة الجمهوريّة على رأسه الباجي قائد السّبسي رئيس الجمهوريّة التّونسيّة ووفد من الحكومة على رأسه الحبيب الصيد رئيس الحكومة ويرافقه مجموعة من الوزراء والمستشارين. بينما تنقل ممثلو عديد الأحزاب على عين المكان في ما احتل الآخرون الحوارات التلفزيونية والإذاعية الحصريّة.

منذ وصوله على عين المكان ألقى رئيس الجمهوريّة خطابا اعتبره البعض شديد اللهجة، إذْ أعلن عن مجلس وزاري عاجل كما أكد أنه يجب مراجعة رخص عديد الأحزاب والجمعيات التي تدعم الإرهاب وأنه لن يسمح برفع علم آخر غير علم تونس الأحمر والأبيض في إحالة إلى مؤتمر حزب التحرير الذي انعقد خلال الأيّام الأخيرة بمدينة تونس والذي كان شعاره "  شمال إفريقيا مرتكز لدولة كبرى ".

لكن عديد الناشطين في المجال السياسي كان تقييمهم للخطاب سلبيا. إذْ اعتبره البعض مرتبكا ولا يستجيب إلى تحديات الواقعة الأليمة بينما اعتبره آخرون استثمارا سياسيا للعمليّة الإرهابيّة من أجل مهاجمة خصومه السياسيين والحراك الاجتماعي وذلك إثر إشارة الباجي قائد السبسي إلى حملة " وينو البترول ". أما رئيس الحكومة فقد اعتبر العمليّة مباغتة وغير متوقّعة وفي هذا الصدد علّق المحلل الإستراتيجي الدكتور مازن الشريف أن العمليّة كانت متوقعة وأن عديد الخبراء أشاروا لها منذ انطلاق شهر رمضان، كما أضاف: إن تزامن العمليات الإرهابية في نفس اليوم بمدينة سوسة وعملية الكويت وعملية في فرنسا ليس عبثيا. العقل المبرمج واحد والمخطط واحد ولكن بأيدي مختلفة وقطع صغيرة تتحرك فيها بيادق أصغر ضمن رقعة كبيرة، ومشروع لا يدرك من ينفذ تلك العمليات الصغرى أبعاده ومنطلقاته الحقيقية.

في الليل بدأت الصّورة تتضح أكثر خصوصا مع خروج الحصر النهائي لعدد الضحايا. إذْ أفاد الناطق الرسمي باسم وزارة الداخليّة أن القائمة الرسمية تفيد بسقوط 38 قتيلا و40 جريح من جنسيّات مختلفة بريطانية وألمانيّة وبلجيكية كما نفى سقوط ضحايا تونسيين. أما رئيس الحكومة فقد أجتمع في ساعة متأخرة من الليل مع مجموعة من القيادات الأمنيّة وقد أسفر هذا الاجتماع عن اتخاذ مجموعة القرارات الآتية:

إقرار اجتماع مجلس وزاري غدا للنظر في حادثة نزل مدينة سوسة
استقبال كل الأحزاب (21 حزب) لإبلاغها بجزئيات ما تمّ اتخاذه من إجراءات و تحسيسها بأهمية هذه الفترة ونقاش أهمية الوحدة الوطنية
القرار لانعقاد المجلس الأمن القومي يوم الأحد القادم للنظر في إجراءات إضافية تهم مشمولات الأمن المجلس القومي إجراءات تكميلية لمجابهة الوضع الحالي
غلق كل الجوامع الخارجة عن إطار القانون، والبالغ عددها 80 جامعا، بطريقة آلية وقانونية وذلك خلال أسبوع
الشروع في الإبان في اتخاذ الإجراءات القانونية ضد الأحزاب والجمعيات المخالفة للمبادئ الأساسية للدستور والقضاء بحلّها في صورة ثبوت نشاطها خارج ما يمليه القانون
إعادة النظر في المرسوم المنظم للجمعيات خاصة فيما يتعلق بالتمويل وإخضاعها للمراقبة المالية من قبل الدولة
دعوة جيش الاحتياط لتعزيز التواجد الأمني في المواقع الحساسة
إعلان كل من جبال سمامة، مغيلة، للا عيشة، وورغة... مناطق عمليات عسكرية
تكثيف مراقبة العناصر المشبوهة والخلايا النائمة في كل الأماكن
وضع مخطط استثنائي لتأمين المناطق السياحية والمواقع الأثرية من خلال نشر وحدات من الأمن السياحي المسلحة على كامل الخط المائي والفنادق بداية من غرة جويلية
الاتفاق على دعوة لتنظيم مؤتمر وطني حول مقاومة الإرهاب بتشريك كافة مكونات المجتمع المدني والمنظمات والأحزاب بداية من شهر سبتمبر القادم
تخصيص مكافآت لكل من يدلي بمعلومات حول العناصر الإرهابية لتشجيع المواطن على المساهمة في مقاومة الإرهاب
التعاون على المستوى الدولي 

العديد من المختصين أكّدوا أن هذه الإجراءات كان يجب اتخاذها قبل عمليّة باردو أما الآن فالوضع يتطلب أكثر جذريّة في التعامل خصوصا في المجال الأمني والإستخباراتي. خصوصا أن عديد المواقع أفادت أن الإرهابي سيف الدين الرزقي والملقب بأبو يحيا القيرواني كان قد أشار في حسابه على " تويتر "  صباح الجمعة 26 جوان عن تنفيذه العمليّة بصفة مشفّرة.  في هذا الصدد صرّح الجنرال المتقاعد أحمد شابير في حوار على قناة نسمة أنه رغم نجاح المنظومة الأمنية في توجيه ضربات موجعة للحركات الإرهابيّة خلال المدّة الأخيرة ورغم انتشارها المكثّف على الميدان إلّا أن عمليّة اليوم تأكد وجود نقص في جهاز الاستعلامات لذلك على الدولة التونسيّة إعادة بناء المنظومة الاستخباراتية وتعزيزها. 

أختم هذا الملخّص بتصريح  للباحث في العلوم السّياسيّة رياض الصّيداوي الذي أكّد في تدخل على قناة روسيا اليوم أن تونس دخلت المرحلة الثالثة من الإرهاب التي تستهدف الاقتصاد الوطني، بعد أن كانت المرحلة الأولى استهداف ما يسمونه بالطاغوت أي رجال الأمن والعسكريين والمرحلة الثانية هي استهداف الشخصيات السياسية مثل اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، أما المرحلة الرابعة والأخيرة فهو الإرهاب الأسود كما هو الموجود في العراق وسوريا ويكون فيه القتل لمجرد القتل كتفجير سيارة في سوق شعبية بهدف قتل أكثر عدد ممكن.