تقرير لجنة الحريات: النهضة في مأزق بين صلابة القواعد ولزوم التوافق

تقرير لجنة الحريات: النهضة في مأزق بين صلابة القواعد ولزوم التوافق

بعد إثارة نقاشات مجتمعية واسعة حول تقرير لجنة الحريات الفردية و المساواة، ومع الجنوح الذي عرفته أغلب النقاشات من الحديث حول فحوى التقرير وأصل المسائل المضمنة به، والمنوطة، وجوبا، للباحثين و المفكرين داخل مراكز الدراسات و المؤسسات البحثية، للنظر فيها والتداول حولها، إلى طرح المحتوى في المساجد و الساحات العامة بشكل سطحي ينأى بالتقرير عن طبيعته الدستورية ليضعه، عبثا، في منعرج خطابات العنف والمغالطة والتجريح و التحريض على معادات أعضاء لجنة الحريات الفردية و المساواة من قبل بعض الأئمة الذين نصبوا أنفسهم حماة للدين و الدولة في وجه ما أسموه ''وصايا أجنبية'' و ''مساعِ علمانية'' لتغيير المجتمع.

المسألة أخذت في الآونة الأخيرة أبعادا سياسية وحزبية، بعد أن دار الحديث في عديد المنابر عن دور الأحزاب ذات المرجعية الدينية في ''فرملة'' اللغط الحاصل حول التقرير، خاصة وأن الكثير يتحدثون عن ''مساومة'' و''تصيّد'' و''إختبار'' لصبر حركة النهضة، خاصة، والتي أعلنت منذ 2016 في مؤتمرها العاشر عن الفصل كليا بين الدعوي والسياسي، إلا أن أغلب ردود الفعل الحزبية حول التقرير صدرت، في البداية عن بعض قيادييها، علاوة على أن المسألة في الأساس لها بعد ديني، بما أن التقرير يطرح عديد المراجعات، المرتبطة مجتمعيا بالقرآن والسنة، كالمساواة في الميراث، وغيرها من المسائل الخلافية، التي وضعت قطبين في الواجهة، قطب الأحزاب العلمانية والمنظمات الحقوقية النسوية والمناصرة لحقوق المرأة، وقطب اليمين بشقيه الحزبي والمدني من أحزاب سياسية منحصرة أساسا في حركة النهضة والجمعيات ذات المرجعية الدينية.

موقف حركة النهضة من تقرير لجنة الحريات، لم يكن مفردا، إذ بدى كمواقف مختلفة قليلا، شهدت تطورا، مع تتالي ردود الفعل حول التقرير خاصة على المستوى المجتمعي، حيث أبدت الحركة في البداية رفضا باردا للتقرير من خلال تصريحات مقتضبة لبعض أعضائها، لم تكن بالحدة الكافية التي تجعل ''اللغط'' حول التقرير يبدأ مبكرا، إلا أنه ومع تطور الأحداث، أيقنت النهضة أن مرجعية التقرير الدستورية جعلته ''محصنا'' أمام موقفها الغير مبني على أسس مقنعة للبعض، وببروز رفض مجتمعي للتقرير من قبل بعض الجمعيات والمواطنين، كيّفت الحركة موقفها لتعلن أن الأصوات الرافضة للتقرير ''نابضة من عمق المجتمع التونسي الحامل للقيم الاسلامية المتجذرة فيه، ولا علاقة لها بالنهضة، وعلى لجنة الحريات أن تقنع المجتمع التونسي بأفكارها المضمنة في التقرير لا حركة النهضة وحدها''، كان ذلك على لسان القيادي وعضو مجلس الشورى عبد الحميد الجلاصي خلال حضوره في برنامج ''بوليتيكا'' على إذاعة جوهرة أف أم.

الجلاصي عبر في ذات التصريح، عن ''ارتياح النهضة تجاه رفض الشعب التونسي لتقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة''، قائلا ''النهضة Elle est très à l'aise تجاه الموضوع''.

وهو مايعكس أن حركة النهضة رحّلت ''معركتها'' حول التقرير من الدائرة الحزبية والبرلمانية إلى القاعدة الشعبية دون ان تظهر أنها ''تدعم ضمنيا'' المواقف الرافضة للتقرير والتي تبناها بقوة أئمة حولوا المساجد لقاعدة ''هجوم'' على لجنة الحريات وأعضائها، بخلفية دعوية أعلنت النهضة سابقا أنها تخلت عنها.

من جانبه، وفي وقت سابق، عبر لطفي زيتون عن مساندته لرئيسة اللجنة بشرى بالحاج حميدة، أمام الحملة التي تتعرض لها بخصوص التقرير المذكور، حيث كتب على حسابه الخاص بفايسبوك، ''كل التضامن مع بشرى بالحاج حميدة، نريد تونس للجميع، تونس تتغير، العديد من النقاشات، وجهات نظر مختلفة، كل ذلك على ما يرام لكن منذ نشر تقرير لجنة الحريات قرأت الكثير من التعلقيات غير المقبولة ضد اعضاء اللجنة''.

و أضاف قائلا ''لقد شاهدت هجمات ضد اعضاء لجنة الحريات الفردية، ليس من اجل هذا خضنا حربا ضد الدكتاتورية و قدمنا شهداء لم نعمل ليلا نهارا من اجل هذا''.

و تابع متوجها بالقول لرئيسة اللجنة ''صديقتي المحامية بشرى بالحاج حميد لديك الحق في الدفاع عن مشروعك، لديك الحق المطلق في ان يكون لديك رأي مختلف و ان تدافعي عنه''.

والأهم أنه قال ''في النهاية الامر متروك للشعب صاحب السيادة من خلال الاستفتاء او من خلال البرلمان لاتخاذ القرار''.

كلام وإن دل على مساندة حركة النهضة لأعضاء اللجنة إلا أنه لم ينفي موقف الحركة الرافض للتقرير والآمل في أن تقف القواعد ''المعزولة'' سدا أمام مضامينه.

أما محرزية العبيدي، وفي إجابتها على موقف الحركة من المثلية الجنسية وغيرها من المسائل المثارة مجتمعيا مؤخرا، لدى حضورها في إذاعة إكسبراس أف أم، قالت إن ''النهضة لن تتدخل في خصائص المواطنين، وهناك نمط عيش في تونس لن يتم فرض طريقة عيش جديدة عليه''.

وفي حديثها عن مسألة المساواة في الميراث، قالت العبيدي، إن ''مسألة المساواة في الإرث تمس الفرد والأسرة وتونس لديها منظومة مقاصدية''، مضيفة أن ''حركة النهضة تصغي لشعبها وتتقدم به ولاتقفز على الواقع''، داعية رئيس الدولة للإصغاء للأصوات الرافضة للتقرير''.

ومن هنا تتجلى سياسة ''الوقوف على الربوة''، وكأن النهضة تظهر للعيان حيادا ''مشكوكا فيه'' تجاه التقرير، وتبطن رفضا كليا له، أوكلت ''لمجتمعها'' بالوكالة مهمة ''محاربته'' من خلال تتالي حضور قيادييها في المنابر الإعلامية أو على صفحات التواصل الإجتماعي وحديثهم المكرر عن ''طبيعة المجتمع وتأصل الدين و حياد النهضة''، وكأن في ذلك رسالة ضمنية أو إشارة خفية للقواعد التي بدأت تتحرك مؤخرا بشكل مكثف رفضا للتقرير.

ولنرحل قليلا في زمن حياة التقرير القصيرة، والمواقف المثارة حوله، لا يمكن ان نغفل عن تصريح زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، الذي قال في تدوينة نشرها مؤخرا على صفحته الرسمية في فايسبوك، هي في الأصل إقتباس من كتابه ''المرأة بين القرآن وواقع المسلمين'' :

ليس في الإسلام ما يبرر إقصاء نصف المجتمع من دائرة المشاركة والفعل في الشؤون العامة .

بل إن ذلك من الظلم للإسلام ولأمته قبل أن يكون ظلما للمرأة ذاتها، لأنه بقدر ما تنمو مشاركة المرأة في الحياة العامة ، فإنه يزداد وعيها بالعالم وقدرتُها على السيطرة عليه ، وأنه لا سبيل إلى ذلك من غير إزالة العوائق الفكرية والعملية من طريق مشاركتها في الشؤون العامة والارتقاء بوعيها بالإسلام والعالم ، والثقة في قدراتها حتى تكون مساهمتُها فعالة في صناعة جيل يخرج من خُـوَيصة نفسه لينخرط في الهموم العامة للأمة والإنسانية .

نحن مع حق المرأة الذي قد يرتفع أحيانا ليصل إلى مستوى الواجب في مشاركتها الحياة السياسية على أساس المساواة الكاملة غير المنقوصة و في إطار احترام أخلاقيات الإسلام ، فإنما التفاضل بالكفاءة والخلق والجهد لا بالجنس واللون ، تأمل في هذه الآية العظيمة :

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " .

نشر زعيم الحركة لهذا المقتطف في هذا الوقت بالذات، يشي إلى أن الحركة حريصة جدا وحذرة في التعامل مع المسألة، خاصة وأن اللين والشدة في تعاملها مع التقرير أظهرتا تناقضا جليا في موقفها، خاصة بعد تصريح الغنوشي أمس الخميس 10 أوت 2018، حين قال، من تركيا، خلال حضوره ندوة نظمتها ''منصة متطوعي الأناضول للتعليم والدعوة'' تحت عنوان ''العالم الإسلامي نموذج التعاون ورؤيته المستقبلية''، إن ''هناك متآمرين يعملون لإجهاض الثورة التونسية''، واصفا الثورة في تونس بأنها ''تمثل آمال المسلمين وخطتهم وحلمهم بالنهوض''.

وأضاف الغنوشي، أن ''تونس شهدت ثورة الحرية، التي أطاحت بنظام زين العابدين بن علي عام 2011، وأنها حققت ذلك من خلال قيمها الإسلامية والإنسانية المتداخلة ببعضها، وأن تونس لم تطلق الثورات فقط، وإنما تمكنت من الحفاظ على ثورتها إلى الآن.''

وأضاف أن ''الشباب قاموا بإسقاط نظام بن علي الدكتاتوري، وأسسوا نظاما ديمقراطيا يليق بالقيم الإسلامية.''

كما أشار الغنوشي إلى أن ''الإسلام بطبيعته دين عالمي، ولا توجد مدينة كبيرة في العالم ليس بها حياة إسلامية، منوها أن الأنظمة الدكتاتورية كانت من بين الأسباب التي حالت دون انتشار الدين الإسلامي في العالم كله''.

تصريح عصف بهدوء حركة النهضة وإلتزامها الحياد المعلن تجاه تقرير لجنة الحريات، كما أبان ان الحركة لم تنزع فعليا جبة الفعل الدعوي كما أعلنت سنة 2016، وكشف مضيّها في ''الدفاع عن الإسلام'' الذي قد يتارض منطقيا، مع ما جاء به تقرير اللجنة، من خلال حديث الغنوشي عن ''أن تونس منطلق آمال المسلمين وخطتهم وحلمهم بالنهوض''.

فهل رحّلت النهضة ''معركتها'' المخفية ضد تقرير لجنة الحريات إلى مجتمعها ''المحافظ''؟ ، أو أنها تدرك أنها قد تخسر حبل التوافق إذا ما أظهرت موقفا أكثر حدة من المسألة، ولذلك إختارت ''محاربين بالوكالة'' عن هدفها المتأصل في فكرها.