ما وراء الالتزام....النهضة تخيّر الشاهد بين التركيز على العمل الحكومي أو الرحيل

ما وراء الالتزام....النهضة تخيّر الشاهد بين التركيز على العمل الحكومي أو الرحيل

إثر الإجتماع الذي انعقد أمس الإثنين 16 جويلية 2018، بقصر قرطاج، بإشراف رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي، والذي تناول السبل الكفيلة بتجاوز الأزمة السياسية الراهنة وضرورة تحمّل مختلف الأطراف السياسية لمسؤولياتها لإيجاد الحلول اللازمة مع تغليب المصلحة العليا للوطن، استغلت حركة النهضة المناسبة للتذكير بموقفها من رئيس الحكومة يوسف الشاهد، ومن طبيعة التعديل المحكومي القادم.

ولئن كان رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي، قد شدد عند انطلاق الاجتاع ''أنّ كل الأطراف المجتمعة مطالبة بتحمّل مسؤوليتها لتجاوز المشاكل التي تعيشها البلاد''، معبرا عن "استعداده التام لتسخير جهوده وكلّ إمكانياته وصداقاته في العالم من أجل تونس ومصلحتها"، فإنّ حركة النهضة جدّدت دعوتها إلى يوسف الشاهد خلال الاجتماع بضرورة الالتزام بعدم الترشح لرئاسيات 2019.


لقاء تبعه، في نفس اليوم، اجتماع للمكتب السياسي لحركة النهضة، أصدر على إثره بيانا جدد فيه دعوة راشد الغنوشي لرئيس الحكومة، ''للالتزامبعدم الترشح للاتخابات الرئاسية 2019''، وشدد عل ضرورة ''إضفاء مزيد من النجاعة على العمل الحكومي عبر التسريع بانجاز التحوير الوزاري وخاصّة سدّ الشغورات الحكومية القائمة''.

وبالحديث عن الشغورات، يحيلنا الأمر على مسألة إقالة وزير الداخلية السابق لطفي براهم، و الحديث الذي راج حينها عن ''علاقة حرك النهضة بالقرار''، حيث أكد منسق حزب ''تونس أولاً'' رضا بلحاج، يوم 13 جوان 2018،أن ''إقالة براهم ثمار ابتزاز حركة النهضة ليوسف الشاهد''، مشيرا إلى أنّ ''حركة النهضة ضد تواجد لطفي براهم على رأس الداخلية وقد استغلّ الشاهد هذا العامل لاتخاذ قرار الإعفاء بعد أن عمل على تعطيله على مستوى التعيينات بوزارة الداخلية''، وفق قوله.


أمر جعل بعض الأراء تذهب إلى وجود علاقة ''مصلحة متبادلة'' بين حركة النهضة و رئيس الحكومة يوسف الشاهد، إنتفت على إثرها قواعد اللعبة السياسية الملتزمة بالمصلحة الوطنية، و دوافع وثيقة قرطاج الأولى التي بُنيت على أسس واضحة، تحدث عنها رئيس الجمهورية في حواره الأخير حين قال ''إن اللقاء الذي جمه برئيس حركة النهضة منذ سنوات بباريس، اتفقا فيه على أمرين مهمين، أولهما أن مصلحة الدولة والوطن قبل مصلحة الأحزاب والأشخاص، وثانيا، الاتفاق على الالتحاق بالحوار الذي كان يجريه اتحاد الشغل والذي كانت الحركة ترفضه حينها، قبل أن يفي الغنوشي بتعهداته ويدخل في الحوار لتشكيل حكومة وحدة وطنية''.

الجدير بالذكر، أنه منذ الإتفاق على أولويات وثيقة قرطاج 2، ظهر خلاف جوهري حول الحكومة التي ستنفذ تلك الأولويات وتضمن تحقيق الأهداف التي رُسمت في الحوار حول الوثيقة المذكورة، فبينما طالبت الأغلبية المشاركة في الحوار بضرورة تغيير حكومة الشاهد و تعيين حكومة قادرة على الخوض في الأولويات الملحة و بدء مسار الإصلاح، خالفت حركة النهضة الجميع وأبدت تمسكها بالحكومة و رئيسها يوسف الشاهد واعتبرت أنه ''المنقذ من الضلال''.


ورغم تفاوت الموازين بين أغلبية تطالب برحيل حكومة الشاهد و أقلية، ممثلة في حركة النهضة، ترغب في إستمراره، لم يخلص الموقعون على وثيقة قرطاج إلى حسم أمر الحكومة نظرا ''للمصلحة و الإستقرار'' الذان يقتضيان التشاور و عدم التسرع في أخذ قرارات هامة، حتى و إن كانت لا تتعارض مع فصول الوثيقة، وهو ما أكده رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي في حواره الأخير على قناة نسمة حين أوضح أن مواقف كل الأطراف ''يجب إحترامها''، مشيرا إلى حركة النهضة بالقول ''النهضة مسألة هامة، ولا أحد ساند النهضة أكثر مني، ولكن لا نريد حكومة مقصية من الحساسيات السياسية''.

أمر يوضح سبب عدم حسم أمر حكومة الشاهد بعد اجتماع وثيقة قرطاج 2، لكنه يؤكد أيضا أن موقف حركة النهضة من يوسف الشاهد كان ثابتا لا يغيره الزمن.


فصول موقف حركة النهضة مع يوسف الشاهد كانت كثيرة، ففي حوار تلفزي حصري على قناة نسمة يوم 1 اوت 2017، دعا رئيس الحركة راشد الغنوشي، الشاهد الى عدم الترشح للاستحقاقات الانتخابية في سنة 2019 من منطلق أن ''حكومته ستكون طرفا في تنظيمها''، قبل أن تجدد الإعلان بتمسكها ببقاء حكومته في مواجهة أغلبية الموقعين على وثيقة قرطاج بتعلة ''دعم الإستقرار''، لتتالى ردود الفعل بعدها، حيث اعتبرت أغلب الأطراف في حوار قرطاج أن ''وثيقة قرطاج التي جاءت بيوسف الشاهد وحكومته في إطار مفهوم ''الوحدة الوطنية''، هي الإطار نفسه المخول له الخوض في بقائه من عدمه''، وهو ما حصل في إجتماع وثيقة قرطاج 2، إلا أن النهضة كانت ''عنصرا معرقلا'' لمخرجات الحوار أنذاك.

البيان الأخير لحركة النهضة، يعكس بوضوح أنّ حركة النهضة وضعت يوسف الشاهد بين أمرين لا ثالث لها؛ إمّا التركيز على العمل الحكومي لإخراج البلاد من أزمتها الحالية وبتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي وقع التوافق حولها في وثيقة قرطاج 2 وبالتالي مواصلة الحركة دعمه، وإمّا أن تسحب البساط من تحت أقادمه إذا ما أراد استغلال منصبه الحكومي للترشح لرئاسيات 2019، وهذا يتجلى بوضوح في دعوته للالتزام بذلك.