التقرير السنوي للبنك المركزي لسنة 2017: العجز و الضعف و الهشاشة.. مزمنات الإقتصاد الوطني

التقرير السنوي للبنك المركزي لسنة 2017: العجز و الضعف و الهشاشة.. مزمنات الإقتصاد الوطني

قدم محافظ البنك المركزي مروان العباسي، أمس الخميس 19 جويلية 2018، التقرير السنوي للبنك المركزي التونسي لسنة 2017، لرئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي، الذي إستقبله في قصر قرطاج.

ووصف محافظ البنك المركزي مروان العباسي خلال لقائه برئيس الجمهورية أمس، التقرير بأنه ''هام للبنك المركزي وللإقتصاد التونسي، لما فيه من معطيات إقصادية تحلل الإشكاليات و تطرح الحلول التي تم التوصل إليها السنة الفارطة في علاقة بمشاكل الإقتصاد الوطني''، مذكرا أن نشاط البنك المركزي في إرتباط وثيق بالقطاع البنكي و المالي ككل و السياسات الإقتصادية للبلاد التونسية من جهة أخرى.

لكن هل أتى التقرير بالجديد ؟

بالرجوع على أهم محاور التقرير، فإن الملحوظ هو نسبة النمو التي سجلت إرتفاعا مقارنة بالسنوات الماضية حيث بلغت 1.9 بالمائة، إلا انها ''تبقى نسبة ضعيفة بالنظر إلى التحديات في مجال التنمية الشاملة وإحداث مواطن الشغل والتحكم في التوازنات الإقتصادية الكلية''، وفق ما تضمنه التقرير.

ويتلخص الإرتفاع ''الملموس'' في نسبة النمو لسنة 2017، في تراجع مساهمة الخدمات غير المسوقة لفائدة القطاعات المنتجة، كالفلاحة والصيد البحري والصناعات المعملية والخدمات المسوقة، وهو ما أرجع التقرير أسبابه إلى ''التطور الإيجابي في الموسم السياحي لسنة 2017، الذي إعتبره ''إستعاد مؤشرات عافيته''، علاوة على مساهمة الموسم الفلاحي الذي وصفه التقرير بـ''المرضي''، وانتعاشة صادرات الصناعات المعملية، مشيرا إلى ''إنتعاشة النشاط الإقتصادي خلال الربع الأول من سنة 2017، والذي سجل نموا قدره 2.5 بالمائة بحساب الإنزلاق السنوي''، حسب ماجاء في التقرير.

هذا وكشف التقرير أن الإنتعاشة المذكورة، في القطاعين السياحي و الفلاحي، ''لاتزال هشة جراء تواصل مواطن الضعف في القطاعين''، مبينا إنزلاق عجز الميزانية والمدفوعات الجارية بنسب بلغت 6.1 بالمائة و10.2 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي، في نهاية سنة 2017، و''المقترن بتصاعد الضغوط التضخمية و التي أضرت انعكاساتها الخطيرة بالوضعية النقدية والمالية للبلاد وكذلك بقدرتها على تعبئة موارد التمويل الضرورية ، سواء في السوق الداخلية أو في األسواق الخارجية''، وفق كلمة محافظ البنك المركزي مروان العباسي المضمنة في التقرير.

ووصف العباسي في كلمته، المؤشرات المذكورة، بـ''الإخلالات التي أضرت بالإقتصاد الوطني، بعد أن تفاقمت وازدادت حدة عاما تلو الآخر، ما من شأنه أن يؤثر على الموارد الذاتية لميزانية الدولة، بشكل غير مباشر''.

و بخصوص مكانة القطاع الخارجي في الإقتصاد الوطني، بين التقرير أن هذا القطاع تواصل في التدهور، لعاملين إثنين، أولهما نقص العرض على مستوى التصدير، و ثانيا النسق المتسارع للواردات، مفسرا الأمر بتراجع الإحتياطيات من العملة الأجنبية وارتفاع التداين الخارجي والدين العمومي، إضافة إلى الإنخفاض المتزايد لسعر صرف الدينار، وهي عوامل إعتبرها التقرير ''أساسية في التدهور الحاصل على مستوى القطاع الخارجي.

كما دعا العباسي في التقرير، إلى إتخاذ القرارات الملائمة ''التي من شأنها معاضدة مسار النهوض بالإقتصاد على أسس سليمة''، مؤكدا أن ''كل تأجيل في هذا الخصوص ''سيؤدي إلى مزيد تفاقم الوضع الإقتصادي''، وفق تعبيره.

ومن هنا يتبين أن المؤشرات الإقتصادية لم تختلف كثيرا في السنوات الأخيرة، حيث إرتبطت اغلب الأوصاف لعديد القطاعات و المستويات و المؤسسات بالـ''عجز و الهشاشة''، في تجلّ واضح لسياسة تكرار الأزمة.

جانب الحلول: لا إفراط ولا تفريط

في سياق متصل، وفي معرض الحديث عن الحلول، تم الإستنتاج أن الإجراءات الجبائية المتخذة في قانون المالية بعنوان سنتيْ 2017 و 2018، ''ستساهم في التخفيف من حدة الإخلالات على مستوى الميزانية، مع ضرورة التحكم في النفقات''، حسب التقديرات المضمنة في التقرير.

هذا وطمأن محافظ البنك المركزي، في كلمته المُفتتحة للتقرير المذكور، المستثمرين و المتعاملين الإقتصاديين، بأن ''توضيح الرؤية على الصعيد الجبائي من خلال الإجراءات المعلنة في قانون المالية، هدفه تحسين مناخ الأعمال، الذي يعاني من سلسلة التصنيفات السلبية المطبقة على تونس، لاسيما في مجال منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، فضلا عن التخفيض في الترقيم السيادي، المقرر من قبل وكالات الترقيم المالي، وفق تقديره.

وفي هذا السياق، أكد محافظ البنك المركزي، أن البنك لجأ إلى ''اعتماد سياسة حذرة في مجالي النقد والصرف قصد مجابهة موجات الضغوط المتكّررة، التي تقتضي المتابعة الدقيقة لمكونات النقد وسير الأسواق والحفاظ على الإحتياطيات من العملة الأجنبية''، مشيرا إلى أن ''التدخلات المكثفة للبنك المركزي قصد تعديل السيولة، أدت إلى ازدياد حجم إعادة التمويل المسند للجهاز المصرفي بنسق متسارع وإلى تراجع الإحتياطيات من العملة الأجنبية''، مرجحا أن يظل التضخم في مستويات مرتفعة بحلول موفى السنة الحالية.

وذكّر البنك في تقريره، بأنه إعتمد إجراءات إحترازية تحسبا للضغوط التضخمية، والتي من بينها الترفيع في النسبة الرئيسية في أربع مناسبات مابين سنتي 2012 و 2014، ''وهو ماساهم في إنفراج الأسعار عند الإستهلاك المسجل في سنة 2016، وهي السنة التي تم خلالها احتواء التضخم في مستوى 3.7 في المعدل، مقابل 5.8 في سنة 2013''، حسب ما جاء في التقرير.

وبالتطرق للسنة الحالية، أكد البنك، أن ''عودة التضخم للظهور أمر ملحوظ، يعود إلى عوامل ظرفية على غرار تضخم كتلة الأجور وتأثير الإجراءات الجبائية المتخذة في إطار قانون المالية لسنة 2018''.

ومن جانب آخر تطرق البنك المركزي في تقريره السنوي إلى متابعة إصلاح حوكمة الجهاز المالي، حيث أكد أنه وضع ''تحديا يتمثل في التقارب تدريجيا مع المعايير الدولية، من خلال إحداث أدوات مثل صندوق ضمان الودائع البنكية واعتماد وضعيات إقراض جديدة تساهم في إرساء سياسة نقدية أكثر استقلالية، وعلى الصعيد الإحترازي الجزئي، بين البنك ان 'تعزيز الرقابة المصرفية يدفع نحو التقارب مع المعايير الدولية في هذا المجال''.

وبالنسبة للحلول الأساسية التي يرى البنك المركزي أنها ستساهم في تعافي الاقتصاد الوطني، تضمن التقرير رؤية تقول ''بأن السبيل لذلك هو القطع الجذري مع العراقيل المؤسساتية والترتيبية ومع الإخلالات التي أثرت سلبا على مناخ الأعمال وأعاقت مبادرات المتعاملين الإقتصاديين''.

صندوق النقد الدولي على الخط

بالحديث عن تجارب الإصلاحات الإقتصادية الضرورية، يرى البنك المكزي أن التطهير المالي للقطاع العمومي، وتدعيم القطاع المالي وتعصيره وتبسيط الإجراءات الإدارية بالنسبة للمؤسسات واعتماد نظام حوكمة يرتكز على إدارة و تعزيز التعاون الدولي الذي يدفع الإقتصاد الوطني للإنفتاح على الإقتصاد المتوسطي العالمي، هي الحلول ''المثلى'' لتعافي الإقتصاد الوطني، مشيرا إلى أنه (البنك المركزي) قد واصل تعاونه مع صندوق النقد الدولي، معتبرا ذلك ''سيؤمن إنجاح البرنامج الحالي المدعوم بتمويالت هامة لفائدة خزينة الدولة''، وفق ماجاء في نص التقرير.

وذكر البنك المركزي أنه سوف يعتمد قريبا على خطة إستراتيجية تمتد على عدة سنوات ''ستمكن من تحديد الوسائل والموارد التي تضمن إنتقال البنك النوعي إلى مرتبة البنوك المركزية العصرية''.

ليكون بذلك المرجع المتكرر في السنوات الأخيرة و خاصة في السنتين الماضيتين، هو صندوق النقد الدولي الذي غاص كثيرا في الشان الإقتصادي التونسي من خلال توصيات و إجراءات و مقايضات مردّها القروض التي تحصلت عليها تونس منه في لحظات ''ضعف الميزانية''، ما يجعله قيدا يكبل كل تحرك فردي لإصلاح الوضع الاقتصادي دون الرجوع للمنظمات المالية العالمية.

وبغض النظر عن الحلول و الإشكاليات التي تضمنها التقرير السنوي للبنك المركزي المتعلق بسنة 2017، فإن أغلب التحديات المطروحة تكررت كثيرا، و يبدو أنها رسخت في الأذهان، من خلال تكرارها في اكثر من مناسبة طيلة السنوات السبع الأخيرة، التي إنتشرت فيها عبارات ''العجز و الفشل و الهشاشة'' في كل التصريحات و الخطابات و التقارير الإقتصادية، مما يجعل تقارير البنك المركزي في السنوات الأخيرة أشبه بعملات معدنية متشابهة لها وجهان، وجه للأزمة ووجه للأزمة أيضا.