إثر حواره الأخير...انتقادات واتهامات لرئيس الجمهورية ومستشاريه في صمت مريب

إثر حواره الأخير...انتقادات واتهامات لرئيس الجمهورية ومستشاريه في صمت مريب

أثار الحوار التلفزي الأخير الذي أجراه رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي، على قناة نسمة، أول أمس الأحد 15 جويلية 2018، انتقادات وهجومات حادة طالت رئيس الجمهورية وصلت حد اتهامه مباشرة بتجاوز صلاحياته ودخوله في معارك حزبية'' وغير ذلك من الاتهامات، مقابل التزام كل مستشاريه والمحيطين به في القصر الرئاسي بالصمت وعدم الرد على تلك الاتهامات والانتقادات، أو حتى الاكتفاء بتوضيح بعض المواقف ورفع بعض الالتباسات التي بقيت عالقة.


كما اختلفت ردود الفعل حول محاور الحوار، بين من رأى فيها تشخيصا للوضع العام للبلاد، و توضيحا لبعض الغموض الذي ساد الوضع السياسي مؤخرا، وإعلانا عن مواقف مهمة لم تكن معلنة قبل إجراء الحوار، ومن اعتبرها محاور لم تلمس الغايات المنتظرة، ومن انتقد الحوار ككل لعدم بثه على القناة الوطنية.

وكانت كتل المعارضة بالبرلمان، أول من أبدى موقفا من الحوار، حيث اعتبر النائب بالبرلمان زياد لخضر في تصريح صحفي ''أن رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي لم يقدّم إجابات واضحة خلال حواره بخصوص مسألة ترشحه للانتخابات الرئاسية وفي ما يتعلق بموقفه من بقاء رئيس الحكومة يوسف الشاهد من عدمه''.


واعتبر النائب مراد الحمايدي أنه ''من الواضح أن رئيس الدولة قد اصطف خلف نجله حافظ قائد السبسي ليفقد بذلك حياده تجاه جميع الأطراف''، مؤكدا ''أن مطالبته رئيس الحكومة بتقديم استقالته او الذهاب لمجلس نواب الشعب لطلب تجديد الثقة دليل على ان رئيس الدولة اصبح في خدمة شق من حزب نداء تونس''، وفق تعبيره.


ومن جهته قال النائب عن الكتلة الديمقراطية نعمان العش أن رئيس الجمهورية طالب رئيس الحكومة بالاستقالة او التوجه للبرلمان لتجديد الثقة، ''في حين نسي او تناسى امكانية استعمال الفصل 99 من الدستور الذي يجبر الشاهد على التوجه لمجلس نواب الشعب لتجديد الثقة''، مشيرا إلى ان رئيس الجمهورية ''هو من تسبب في الازمة من خلال توريث ابنه للحزب الحاكم وهو جوهر الخلاف داخل الندائيين مما تسبب في الازمة السياسية بالبلاد، وفق تعبيره.


هذا وانتقد ''شق'' من نداء تونس معارض لبقاء الشاهد، حوار رئيس الجمهورية، حيث قالت النائب فاطمة المسدي إن ''الرئيس خرج متأخرا جدا من أجل تقديم موقفه''، معتبرة أن ''رئيس الدولة قد تهرب من صلاحياته الدستورية ولم يتحمل مسؤوليته في تطبيق الفصل 99، بل اقتصر على دعوة الحكومة للاستقالة او الذهاب الى المجلس''.


في نفس الإطار أفادت أحزاب آفاق تونس وحركة مشروع تونس وائتلاف الجبهة الشعبية، بأنها ستجتمع لمناقشة فحوى حوار رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي الأخير، بعد إدلاء أغلب قياديي الأحزاب المذكورة و منتسبيها بتصريحات، على إثر الحوار، إنتقدت أغلبها المضمون و المحاور التي تطرق إليها رئيس الجمهورية.


وبين الحزب الجمهوري موقفه من الحوار، حيث إعتبره "اصطفافا من رئيس الجمهورية و تبرئة لحزب نداء تونس و تقديمه في ثوب الضحية و الخروج عن الحياد المفروض عليه عرفا و دستورا، و تهربا من تحمل حصيلة اربع سنوات من الفشل لمنظومة الحكم''.
وفي سياق متصل يتعلق بالشكل لا بالمضمون، عبر الحزب الجمهوري عن استغرابه من "تجاهل رئيس الدولة للإعلام العمومي و التجائه الى قناة خاصة''.


وفي نفس الإطار اعتبرت الهيئة العليا المستقلة للإتصال السمعي البصري ''الهايكا''، أن إجراء رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي حوارا على قناة ''نسمة'' يتناقض مع الدور الموكل له باعتباره الضامن لاحترام الدستور والقانون''، موضحة أن ''تواتر تهميش مؤسسات الإعلام العمومي من قبل رئاسة الجمهورية، تحول إلى سياسة ممنهجة، وساهم في إختلال التوازن في المشهد السمعي البصري''، وفق بيان نشرته في الغرض.


في حين كتب الإعلامي زياد كريشان في إفتتاحية جريدة المغرب في عددها الصادر اليوم الثلاثاء 17 جويلية 2018، أن ''الحوار الذي كان يتمناه البعض ويخشاه البعض الآخر، اتضحت فيه الصورة بصفة نهائية، رئيس الدولة ضد خصوم ابنه في الحزب الذي أسسه وفي الساحة السياسية بصفة أعم ''.


واعتبر كريشان الحوار ''إصطفافا كليا ونهائيا على خط العائلة، يجعل من الباجي قايد السبسي أحد أطراف الخصومة السياسية، بل طرفها الأبرز ويفقده بالتالي كل إمكانية للعب دور تحكيمي ولكي يكون مرجعا لمختلف الفرقاء'' على حد قوله.


ولئن كانت مواقف الفاعلين في الشأن العام من نواب وسياسيين وأحزاب، ممن سبق ذكرهم، تعتبر من مميزات الحياة الديمقراطية التي تتفاعل فيها النخب السياسية بإبراز المواقف والآراء بغض النظر عن تقاطعاتها واختلافاتها، فإنّ الصمت ''المريب'' لمستشاري رئيس الجمهورية، حول كل تلك الردود تضعهم، في موضع استفهام.


مستشار رئيس الجمهورية فراس قفراش، سبق وأن دخل في تبادل تهم غير مباشرة مع المدير التنفيذي لحركة نداء تونس حافظ قايد السبسي، بسبب تدوينة نشرها على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي فايسبوك، قال فيها إنّ ''الباجي قائد السبسي هو الضمانة الأساسيّة لحالة الاستقرار السياسي في البلاد منذ 2011. دعوات البعض ونصائحهم له بتفعيل الفصل 99 من الدستور ومحاولات استدراجه والزج به في معارك حزبيّة رديئة، لن تجدي نفعا''.


تدوينة اعتبرها البعض تعكس ''اصطفاف غير معلن'' من فراس قفراش، وراء يوسف الشاهد، وقال عنها حافظ قايد السبسي إنها لا تمثل موقف رئاسة الجمهورية وإنها تمثل الموقف الشخص لقفراش وميولاته التي وصفها بـ ''المعلومة''.
واتهم حافظ قايد السبسي فراس قفراش حينها، بأنه استغل صفته كمستشار لدى رئيس الجمهورية لبث الشكوك لدى الرأي العام السياسي دون علم رئيس لجمهورية بذلك''.


اللافت للنظر أنّ موقف قفراش المعلن في التدوينة، جاء إثر مطالبة بعض الأطراف رئيس الجمهورية بأن يطلب من مجلس نواب الشعب التصويت على الثقة في مواصلة الحكومة لنشاطها، وهو ما استنكره فراس قفراش في التدوينة ليظهر وكأنه اصطف وراء رئيس الحكومة رغم موقعه السياسي.
موقف قفراش، الذي عبر فيه أنّ رئاسة الجمهورية رافضة لهذا التمشي، كشف زيفه حوار رئيس الجمهورية الأخير الذي قال فيه بصريح العبارة، إنه إذا استمر الوضع على ما هو عليه فإن رئيس الحكومة يوسف الشاهد مطالب إما بالاستقالة أو بالذهاب الى البرلمان وطلب تجديد الثقة منه''، وهو ما يفسر أنّ هذا الخيار كان مطروحا لدى رئاسة الجمهورية منذ البداية.


وإن كان فراس قفراش قد خير الصمت وعدم، الرد على الاتهامات الموجهة إلى رئيس الجمهورية بالاصطفاف وراء نجله ضد يوسف الشاهد، أو على التعليق على الموضوع خاص وأنّه سبق وأن علّق على الموضوع، فإنّ المستشارة الأخرى لرئيس الجمهورية سعيدة قراش، قد خيّرت بدورها الصمت وعدم إبداء الرد على الاتهامات الموجهة إلى رئاسة الجمهورية واكتفت بالتعليق على علمها من عدمه بإجراء ذلك الحوار. حتى المستشار السياسي لرئيس الدولة نور الدين بن تيشة، الذي من المفترض أن يكون في طليعة المعلقين على الحوار لتوضيح بعض النقاط التي كانت محل اختلاف بين المتابعين للحوار، فقد خير بدوره الصمت، مما خلق نوعا من الغموض حول ماهية الأدوار التي يضطلع بها مستشاري رئيس الدولة.