معوقات النموّ العربي بين المسؤوليات الداخلية والخارجية

معوقات النموّ العربي بين المسؤوليات الداخلية والخارجية

معوقات النموّ العربي بين المسؤوليات الداخلية والخارجية

أطّل الزميل أحمد بعلبكي على قرّاء «السفير» بمقالة طويلة على حلقتين (في11 و13 تموز 2015) يتهجّم فيها من دون أي نوع من التدقيق الموضوعي على خمسة اقتصاديين عرب، خصّني بشكل خاص من بينهم بسلسلة من الانتقادات غير العقلانية والتهكّمية الطابع على غير عادته، وكأنه بصدد تصفية حسابات فكرية، لم أتمكّن من تفسيرها نظراً للعلاقات الودية بيننا منذ أيام الزمالة في التدريس في معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية في السبعينيات من القرن الماضي. ولكي يفهم القارئ القضايا الفكرية المعنية بالهجوم هذا، أبدأ هنا بتلخيص مآخذ الدكتور بعلبكي على إحدى دراساتي التي صدرت في مجلة «المستقبل العربي» وعنوانها: «الاقتصاد السياسي للانتقال الديموقراطي في الوطن العربي»:


1ـ الانتقاد الرئيسي الموجّه إليّ والى الزملاء الآخرين هو المقاربة التي تتناول المنطقة العربية ككل ويسمّيها «المقاربة القومية» و»التكنوقومية» مقابل المنهج الذي يطالب به أي المنهج القطري لفهم معوقات التنمية.
2 ـ الانتقاد الثاني يدّعي فيه أنني اعتمدت على دراسات منظمات دولية ومنها «البنك الدولي» و «مكتب العمل الدولي» وغيرها من المنظمات الدولية أو الإقليمية.
3 ـ يحتجّ بقوة الدكتور احمد بعلبكي على المقارنة التي قمت بها في دراستي المذكورة آنفاً بين الإخفاقات التنموية في الأقطار العربية وإنجازات دول شرق آسيا، إذ يعتبر ان كوريا الجنوبية أقلعت في التصنيع منذ أكثر من نصف قرن وان الظروف الجيوسياسية لتلك الدول وبشكل خاص مرحلة الحرب الباردة هي التي سمحت بالنهوض التنموي الآسيوي، بينما هذه الظروف بحسب رأيه قد انعدمت بالنسبة الى الأقطار العربية؛ وكأنني جاهل لكل التطورات الجيوسياسية في العالم وفي منطقتنا العربية، أو كأنني لم أكتب العديد من المؤلفات حول هذه الظروف ونتائجها السلبية على الأقطار العربية (وخاصة مؤلفي «انفجار المشرق العربي»). وتذهب التُهَم العديدة التي صاغها بعلبكي لدراستي المذكورة بأنني اعتمد المنهج الثقافوي الجوهراني لإدانة الأداء السيئ للاقتصادات العربية، فيبدو أنه لم يطلع على الدراسات والكتب التي وضعتها داحضاً هذا المنهج.
ولكي نبدّد أي التباس لدى القارئ حول قضية رئيسية في مصير المجتمعات العربية التي تهمّنا جميعاً، ألا وهي أسباب هذا الإخفاق التنموي العربي منذ عهد محمد علي في مصر في بداية القرن التاسع عشر الى يومنا هذا، علينا أن نوضّح جوهر السجال وأبعاده:
1 ـ ان السجال حول المقاربة القومية للاقتصادات العربية هي عديمة الفائدة برأي بعلبكي، مقابل المقاربة القطرية التي يراها وحدها الجديرة بالاهتمام، لهو سجال عقيم، خاصة في ظل تشابه المؤشرات الاقتصادية في ما بين الأقطار العربية، وخاصة تلك المتعلقة ببطالة العنصر الشاب وقلة مساهمة المرأة في سوق العمل، وكذلك انعدام تطوير القدرات التكنولوجية والعلمية، وهي جميعها سمات سلبية نجدها في جميع الأقطار العربية، الأغنى منها كما الأفقر وكما المتوسطة الدخل. وعندما قمت بتحليل دلالة هذه المؤشرات، لم يكن لديّ خلفية قومية أو قطرية، بل كان دافعي هو فقط البحث عن أسباب الإخفاق التنموي المشترك بين الأقطار العربية، فلا مسؤولية على الباحث إذا وجد في مجموعة من الدول التي تتكلم اللغة نفسها ولديها تاريخ مشترك، المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والعلمية نفسها، التي تدلّ على الإخفاق.
2 ـ اما قول الدكتور بعلبكي بأن الظروف الجيوسياسية مختلفة تماماً بين دول شرق آسيا والدول العربية فهذا أيضا ادعاء لا يستند الى الحقائق الموضوعية؛ ذلك أن دول شرق آسيا عانت ما عانت من ويلات وحروب ودمار من جراء الحرب الباردة (بما فيه تقسيم كوريا الى دولتين متخاصمتين ووقوع الصين طوال عقود تحت مقاطعة اقتصادية شديدة الوطأة من قبل الدول الغربية) وأنظمة حكم لم تقلّ ديكتاتورية عن أنظمة عربية عديدة، ملكية كانت أم جمهورية. ومع ذلك، تمكّنت العديد من الدول الآسيوية من تحقيق تنمية القدرات العلمية والتكنولوجية بشكل لافت. وهناك العديد من العِبَر التي يمكن أن نستفيد منها في التجارب التنموية لتلك الدول. وربما لم يطلع بعلبكي على تفاصيل هذه التجارب كما لم يطّلع على الكتابات الأجنبية والعربية حول هذا الموضوع، ومن بينها كتابات مسعود ضاهر الذي قارن بين النهضة اليابانية ونهضة محمد علي في مصر في القرن التاسع عشر التي بدأت قبل نصف قرن من تجربة اليابان التحديثية الناجحة في عهد الامبراطور «الميجي»، او كتابات محمود عبد الفضيل أو الكتابات الغزيرة لأنطوان زحلان التي تفسّر بشكل دقيق وعلمي أوجه الإخفاق العربي (قطاع عام وقطاع خاص على السواء) في توطين وتملّك قدرات علمية وتكنولوجية، أو أيضاً الكتابات الأجنبية والعربية حول الدمار الاقتصادي والاجتماعي الذي يسببه الاقتصاد الريعي المولّد للكسل العلمي والإنتاجي؛ وكذلك مئات المؤلفات حول تاريخ الثورة الصناعية في أوروبا وأسبابها المعقدة والمتنوعة وحول تجارب الدول الاوروبية التي دخلت متأخرة في التحديث الصناعي مثل المانيا وروسيا. وأنا أخاف ان تؤدي المقاربة الذي يرتئيها بعلبكي بالابتعاد عن المقاربة الشاملة للفشل العربي التنموي لمصلحة دراسات متفرقة عن كل قطر على حدة، الى حجب النظرة التنموية الصحيحة، والوصول بنا إلى الطريق المسدود في البحث عن كيفية الخروج من الحلقة المفرغة لتنمية عربية منحرفة أدّت الى ما نحن فيه من عنف ودمار وفشل ذريع في كل الميادين.
وهل يجب هنا أن نذكّر بعلبكي بأن مصر في ظل حكم محمد علي كانت قد دخلت في مرحلة تنموية وتحديثية وتصنيعية متسارعة في بداية القرن التاسع عشر، كما ان للبنان وسوريا وتونس والمغرب حلقات تحديثية طوال هذا القرن، بالإضافة الى النهضات التحديثية التصنيعية في القرن العشرين كالتي حصلت في مصر مرة أخرى في ظل حكم الرئيس جمال عبد الناصر أو في الجزائر في ظل حكم الرئيس بومدين أو في العراق في ظل نظام صدام حسين. إن فشل كل تلك التجارب التنموية يمكن أن يُعزى الى مروحة من الأسباب المعقدة، البعض منها خارجية (أي القوى الاستعمارية) والبعض الآخر داخلية، وهي جميعها متشابكة. ولذلك لا بدّ من الجهد الفكري والبحثي والعلمي لفهم نجاح دول شرق آسيا والصين التي عانت فعلياً من الظروف الجيوسياسية والداخلية نفسها وترابطها وفشل الأقطار العربية الذي أدى الى ما نحن فيه.
ويبدو بعلبكي كمن يحذّرنا من النظر الى التجارب الناجحة في التنمية الحقيقية والبقاء على ما نحن فيه، فالقضية في نظره هي مجرد تبلور ظروف جيوسياسية مؤاتية لم تمرّ بعد على الدول العربية مجتمعة او بشكل إفرادي. وبناء على مثل هذا الموقف القدري، علينا مجرد الانتظار للظروف الجيوسياسية المؤاتية والله أعلم متى ستتحقق وتحصل المعجزة!
3 ـ وفي ما يختص بادعاء بعلبكي أنني استندت الى دراسات من المنظمات الدولية، فهو يخلط بين البيانات الإحصائية التي تجمعها وتنشرها تلك المنظمات، كل واحدة منها في حقل تخصصها (تربية، سوق العمل، علم وتكنولوجيا، التدفقات المالية والتجارية)، وبين الدراسات. ومن الواضح أنني استعنت بالإحصائيات التي تُجمع على أي حال من الحكومات العربية القطرية، ولم استلهم من الدراسات الا تلك العائدة الى منظمة «اليونسكو» والتي تصبّ في موضوع تحليل مؤشرات القدرة العلمية والتكنولوجية؛ كما استندت الى العديد من الدراسات الصادرة عن اقتصاديين من بلدان اميركا اللاتينية وشرق آسيا بالإضافة الى الاقتصاديين العرب المذكورين سابقاً. وقد تعجبت من هذه التهمة الباطلة أساساً ومن إصرار الزميل بعلبكي على نعتي بتهكّم بأنني «خبير دولي» مع الاشارة الى انني شخصياً لم استعمل هذه العبارة، بل أكتفي بصفة خبير اقتصادي او باحث لبناني وعربي. وربما لم يطلع الزميل بعلبكي على كتابي «حكم العالم الجديد»، حيث أحلل وأنتقد بشدة أدبيات مؤسسات التمويل الدولية.
إن مقاربة الدكتور بعلبكي هي ايدولوجية الطابع وقدرية، إذ تؤدي الى انتظار ظروف دولية وجيوسياسية ملائمة لدخول الأقطار العربية في حلقة حداثة علمية وتكنولوجية تؤمّن للشباب العربي فرص عمل وتطلع إيجابي الى المستقبل. فهذه دعوة الى البقاء على ما نحن فيه او الاكتفاء بانتقاد أداء هذا او ذاك من الحكام القطريين من دون السعي الى التغيير الشامل المطلوب في كل الاقتصادات العربية، وكأن صرخة العنصر الشاب العربي من المحيط الى الخليج في بداية العام 2011 كانت صرخة بائسة، لا فائدة فيها.
ويا ليت بعلبكي قد صاغ أفكاره وانتقاداته بشكل هادئ وبشيء من التواضع والتساؤل وليس بموقف فوقي كأنه الوحيد العالِم بيقين مفرط، وبالتالي يخاطب الآخرين كأنّهم من الجاهلين أو «المؤدلجين» قومياً؛ مما يحول دون إقامة حوار راق وبنّاء، في جو من المناقشة العلمية الرصينة التي تبحث بجدية عن سبل الخروج من النفق الذي يمرّ به العرب قومياً وقطرياً.