طيب.. وما البديل؟

طيب.. وما البديل؟

طيب.. وما البديل؟

لا يعلم النوايا مسبقا إلا الله، وأحيانا يستطيع المرء أن يستدل لاحقا على كنه النية عن طريق المقدمات والقرائن والأدلة والدوافع والسياق وغيرها من ركائز. ويمكن لهذه الركائز أن تقود محققا إلى أن يقود قاضيا إلى إثبات تهمة آخرها: «مع سبق الإصرار والترصد». وهو ما يعنى ببساطة حكما مدروسا على النية.

 


وفى الطريق إلى هذا الهدف «الاستراتيجى» فى ذلك التجلى الأخير كان لا بد من Collateral Damage (خسائر جانبية غير مقصودة)، وهو المصطلح الرقيق القمىء الذى استحدثه عسكريون أمريكان لخداع المخ نحو قبول احتمال وقوع أخطاء، ربما تكون كارثية، دون محاسبة. فى الطريق إلى هذا وقعت الكارثة وانتفت المحاسبة. فى الطريق إلى هذا شُرشح الشعب السورى كله باسم الشعب المصرى كله، فلا نعلم فى الواقع أيهما شُرشح أكثر. فى الطريق إلى هذا أُهين وطنان وشعبان وأمة، وديس فى جهل وعمى على قيم إنسانية كبرى.

لا مشكلة لدينا، بعد هذا الحدث المشين، فى أن يقوم أى أحد بأى فعل، مشرف أو مشين، طالما أنه لا يزعم أنه يقوم به نيابة عن الشعب. هى مشكلتهم هم مع القانون ومع الأخلاق ومع المتضرر ومع من يهمه الأمر، إن كان ثمة من يهتم. أما الشعب السورى فله رب هو أيضا رب الشعب المصرى. ولا مشكلة لدينا، بعد أكثر من عامين، فى استيعاب أن من بيدهم الأمر يرون فى الإعلام الحر خطرا فيكبتونه ويفتحون الأبواب على مصاريعها أمام ذلك اللون من «الإعلام» التعبوى، الذى لا يدرك معظمه أدنى قواعد المهنة أو الأخلاق، طالما أنه مصطف. هى مشكلتهم هم مع الحاضر ومع المستقبل القريب وقد أثبت الماضى أى نهاية لطريق هذه بدايته، إن كان ثمة من يعى. ولا مشكلة لدينا، بعد هذا كله، فى فهم لماذا لايزالون يقرأون من كتالوج أكل عليه الدهر وشرب فيساوون بين أنفسهم والوطن بحيث يكون الاختلاف معهم خيانة للوطن. هى مشكلتهم هم مع حتميات عصر لا ترحم، ومع ثورة حقيقية أسقطت الأوهام وحطمت الأصنام، إن كان ثمة من يرعوى.

نفهم ــ ونتفهم ــ لماذا أصيب قطاع عريض من المصريين بالخوف والذعر من عام الإخوان فى الحكم. نفهم ــ ونتفهم ــ إلى أى مدى لايزال كثيرون يعانون من PostــTraumatic Stress Disorder (خلل ضغوط ما بعد الصدمة) الذى تحول فى بعض الأحيان إلى حالة من الهيستيريا. نفهم ــ ونتفهم ــ تعقيدات الموقف محليا وإقليميا فى منطقة على كف عفريت، بكل ما يضيفه هذا من قلق ومن ضغط. نفهم ــ ونتفهم ــ أن كثيرين، حتى من بين أكثر الناس اعتدالا وفطنة، يجدون أنفسهم فى النهاية وقد ارتطموا بهذا الجدار: «طيب.. وما البديل؟» ثم نفهم ــ ولا نتفهم ــ لماذا يريد أن يعود بنا البعض إلى ما هو أسوأ من عهد مبارك.

لكننا نزعم أن هذا بعينه هو السؤال الخطأ، عن حسن نية لدى البعض الذين يتوقون إلى قليل من صفو الحياة، وعن سوء نية لدى البعض الآخر الذين يعمدون إلى زرع اليأس وإرهاب الناس نحو قبول الأمر الواقع دون تفكير. بدلا من ذلك، هذا جانب من الأسئلة التى لها معنى فى رأينا وتستحق التفكير:
1ــ لماذا لانزال نعتقد أن «الإعلام» يستطيع أن ينفى واقعا موجودا وأن يخلق واقعا لا وجود له بينما أثبت الماضى البعيد والقريب أن طامة كبرى كانت دائما نتيجة حتمية على رءوس كل من آمنوا بذلك وعلى مجتمعاتهم؟ 
2ــ كيف يستطيع مجتمع أن يتصدى لدرء أى خطر، داخلى أو خارجى، أو أن يشارك فى أى مشروع أو فى أى نشاط ذى معنى بينما يُهتك نسيجه إلى هذا الحد ويصير مرتعا للأمراض النفسية إلى هذا الحد؟
3ــ أين تقبع الحكمة تماما فى الدفع بأسوأ من فى مصر فى شتى المجالات إلى صدارة المشهد، إلا من رحم ربى، بينما يُكبت أفضل من فيها ويُجبرون على البقاء خارج السياق؟ 
4ــ هل صار الفساد حقا أقوى من النظام، مثلما حذر تقرير صادر عن أحد أجهزة الدولة قبيل الثورة، بحيث لا يستطيع أحد ــ بافتراض توافر الإرادة ــ أن يقدر عليه؟
5ــ ما الذى أزيل حتى الآن على وجه الدقة من الأسباب الحقيقية جميعها التى أدت بنا إلى ثورة «حميناها» وتقترب الآن من إكمال عامها الخامس؟

عندما تتوافر لدينا الرغبة والجرأة والقدرة على مواجهة أسئلة من هذا النوع سنكون على بداية الطريق.