ساندرا الحبيسة وقدسية الجسد ؟

ساندرا الحبيسة وقدسية الجسد ؟

ساندرا الحبيسة وقدسية الجسد ؟

الأبرياء من الشباب والبريئات من الشابات بالسجون يتألمون ويهانون، وينعم بالحرية والكرامة من نهبوا وفسدوا، ومن ساندوا أو صمتوا عن الاستبداد والفساد، خوفا من السجن أو طمعا فى السلطة والمال، ومن صفقوا للرئيس والسيدة الأولى (فى كل العهود) وأشادوا بإنجازاتهما العظيمة، وما إن قامت الثورة حتى أصبحوا زعماءها، نددوا بالمخلوع والمعزول والمستبد والفاسد.



هرولوا الى الحكام الجدد وتأليف الأحزاب على الورق، والتشدق بالثورة فى الإعلامالخاص والعام، مخضرمون فى اللعب السياسية والانتخابية، يكتبون بخبرة ومهارة فىالحكومة والمعارضة معا، يطمئن لهم الحكام والمحكومون، ينالون مديح الرأسماليةالشرسة والإشتراكية الناعمة، يحبسون نساءهم بالبيوت، يتحدثون عن تحرير المرأةبالمؤتمرات ويدخلون البرلمانات، تزداد وجوههم وأسماؤهم تألقا، بينما يختفى الثواروالثائرات فى الظلام.أعلى الأصوات تنديدا بالفساد والعهود السابقة البائدة ، هم الذينفسدوا وساندوا العهود السابقة البائدة، كأنما بالصوت العالى عن النقاء والطهارة يبعدونأنفسهم عن الظنون والشبهات، لكن الشعب المصرى رغم صبره واحتماله وخوفه منالبطش والسجون، فإنه يحفظ تاريخ من خذلوه ونهبوه وخدعوه.

وقد بدأت شعوب العالم تنادى بإغلاق كل أنواع السجون، وإنهاء كل أشكال التعذيب(أو الإيلام) لأى كائن بشرى أو غير بشرى، مثلا قامت فى الأرجنتين بأمريكااللاتينية، حملة شعبية، لإطلاق سراح «ساندرا» وهى ليست إنسانة ثائرة ضد الظلم ،بل هى «أورانجوتان» وتعنى لغويا إنسان الغابة، وهى فصيلة راقية من القرود ، لهامشاعر وحساسية ضد الظلم (مثلنا نحن البشر) وقد تم حبس ساندرا وراء القضبانبحديقة الحيوان بمدينة بوينس ايرس بالأرجنتين، وخرجت المظاهرات الشعبية لإطلاقسراح ساندرا، ورفعت منظمات حقوقية قضية بالمحكمة عن معاناة «ساندرا» لآلامالعزل عن أهلها، تمت المناقشة القانونية من جميع النواحى السياسية والاجتماعيةوالأخلاقية والبيولوجية.

ثم قررت المحكمة أن ساندرا كائن حى، أى (شخص) لها حق الحياة دون ألم مثل أىشخص، ومن حقها عدم التعرض للسجن أو للتعذيب الجسدى، تبعا لمبدأ «هابياسكورباس» ويعنى قدسية الجسد، وإذا كانت ساندرا لا تنتمى لجنس البشر فإنها«شخص» لها جسد حى، وللجسد حرمته، وليس هناك مبرر لحبسها بحديقة الحيوانليتفرج عليها الآخرون، مما يسبب لها آلاما بدنية ونفسية واجتماعية، فهى تعزل عنأسرتها ومجتمعها الطبيعى وتتألم مثل البشر، بل إنها أكثر حساسية من البشر للألموالإهانة والظلم.

انظروا الى العالم البشرى، أليس أكثر بشاعة من غابة الوحوش؟ فى الغابة لا يعتدىالأسد على أى كائن إلا إذا كان جائعا، لكن فى عالمنا البشرى يتم القتل والنهبوالاستعمار والاحتلال والاغتصاب، بسبب شهوة الجشع والطمع وليس بسبب الجوع، بليعتدى الأقوى الأغنى على الأضعف الأفقر، الذى لا يملك أسلحة الدمار والحربوالتجسس.

وفى بعض شعوب العالم، قامت جمعيات الدفاع عن حقوق الحيوان، بالهجوم علىمعامل البحوث الطبية لمنعها من استخدام الفئران فى التجارب، مما يسبب قتلها أوتشويه جسمها أو تعرضها للآلام، لكن أغلب أعضاء هذه الجمعيات الرحيمة بالفئران،ليسوا رحماء بالبشر المقتولين فى الحروب الاستعمارية المشتعلة خارج بلاد.

وقد اعترض قسس الفاتيكان كثيرا على قتل الجنين فى الرحم (عمليات الإجهاض)لكنهم لم ينطقوا حرفا واحدا ضد قتل الملايين من أرواح البشر فى الحروبوالمجاعات الناتجة عن الرأسمالية الشرسة ، وغرق المهاجرين فى البحر، أو تعرضهمللهوان تحت ظلم القوانين فى البلد الذى يلجأون اليه، ونددت سيدة أعمال ثريةبالقسوة التى يعامل بها الناس القطط والكلاب، وكانت هذه السيدة نفسها تحرم خادمتها(فى البيت) من اللبن واللحم أو السمك، وتحمله فى سيارتها داخل علب بلاستيكلتطعم به القطط والكلاب فى النادى الذى تلعب فيه التنس.

حقوق الإنسان ومنها قدسية الجسد، يجب أن تسرى على جميع الكائنات الحية بما فيهاالشجر، وفى النرويج حملات شعبية لمنع قطع الأشجار فى الغابات للحفاظ علىالبيئة الطبيعية وكل أشكال الحياة، وهناك سيدة نرويجية أعرفها، تناضل من أجلالحفاظ على الغابات والأشجار، لكن علاقتها بكلبها أكثر حميمية وإنسانية منعلاقتها بزوجها، فالكلب يجرى قبل أن تدخل البيت، وما إن تفتح الباب حتىيستقبلها بسعادة غامرة ويقفز فوق صدرها (مهوهوا) فرحا، أما زوجها فلا شعرة واحدةتهتز فى جسده ويظل قابعا فى مكانه مثل أبو الهول.

غياب الحب والرحمة والمشاعر الإنسانية الدافئة بين الناس، وتحول العالم البشرىالى غابة قائمة على القتل والنهب والخداع، يدفع الإنسان للبحث عن المشاعرالحميمة فى الغابات، يعانق الأشجار ويستأنس بالنمور والأسود، ويتبادل الحب والرحمةمع الكلاب والقطط والفئران. قدسية الجسد للكائنات الحية، منها ساندرا بحديقة الحيوانبالأرجنتين، شعار جديد يستحق الاحترام.

لكن أين نحن من قدسية أجساد الشابات والشباب الأبرياء وراء القضبان؟ وأجسادالبنات حبيسات الحجاب منذ الطفولة والنقاب؟ والقاصرات الطفلات الفقيرات يبعن فىالسوق للكهول والعجائز؟