رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (94) المناظرة الكبرى الرابعة.. ابن رشد ـ ابن تيمية

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (94) المناظرة الكبرى الرابعة.. ابن رشد ـ ابن تيمية

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (94) المناظرة الكبرى الرابعة.. ابن رشد ـ ابن تيمية

صحيح أن ابن رشد فقيه وطبيب وفيلسوف من القرن الثانى عشر، وصحيح أيضا أن ابن تيمية فقيه من القرن الثالث عشر، ومع ذلك فإن الصحيح للمرة الثالثة أنهما يشكلان مفارقة فى القرن الحادى والعشرين. فابن تيمية مؤسس الأصولية المتمثلة فى الوهابية بالقرن الثامن عشر وفى حركة الاخوان المسلمين بالقرن العشرين وفى الحركات الاسلامية برمتها التى بزغت فى القرن الحادى والعشرين. أما ابن رشد فقد كان موضع تكفير من ابن تيمية إلى الحد الذى أصبح فيه هامشيا فى الحضارة الاسلامية، ومؤسسا للتقدم فى الحضارة الغربية بفضل بزوغ الرشدية اللاتينية. وهذه المفارقة هى ثمرة المناظرة الكبرى التى كان قد أجراها ابن تيمية مع ابن رشد رغم أن ابن رشد كان قد مات، إلا أن ابن تيمية كان يخشى من خطورة تأثيره بعد موته.
 


والسؤال اذن: ما هى هذه المناظرة التى اصطنعها ابن تيمية فى كتابه المعنون «درء تعارض العقل والنقل»؟ والعقل هنا رمز للفلسفة والنقل رمز للتراث. ومن ثم يصبح السؤال الأساسى هو على النحو الآتى: هل ثمة تعارض بين النص الدينى ومتطلبات إعمال العقل؟.

كان الفقه السائد فى زمن ابن رشد هو الفقه المالكى الذى يستند إلى مفهوم الإجماع، ومن شأن هذا المفهوم أن يمتنع خروج المؤمن عن الاجماع، وإذا تجاسر وخرج فتكفيره أمر لازم ولكن ما العمل إذا كان للنص الدينى معنى باطن مغاير للمعنى الظاهر؟ جواب ابن رشد أن تأويل النص أمر لازم وهنا نجد أنفسنا أمام أمرين: إما الامتناع عن التأويل منعاً من التكفير، أو الخروج عن الاجماع بالتأويل مع احتمال التكفير، وعلينا بعد ذلك الاختيار، وقد اختار ابن رشد الخروج عن الاجماع بالتأويل ولكنه حذر من إشاعة التأويل بين الجمهور إذ حصره عند الراسخين فى العلم، أى عند الفلاسفة لأنهم من أهل البرهان العقلى الذى يستند إلى مقدمات يقينية، ولأنهم على صلة بالله، حيث يقول الله تعالى «وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون فى العلم». ويرتب ابن رشد على ذلك نتيجة وهى أن نشر التأويلات فى غير كتب البرهان يشيع الفساد ويُكثر من أهله وإذا حدث تكثير لأهل الفساد كفر الناس وهنا ينوه ابن رشد عن رواية عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب: «حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله»، ومعنى ذلك أنه ليس من المشروع للفلاسفة أن يفصحوا عن تأويلاتهم للجمهور، ولكن من المشروع أن يقولوا للجمهور إن ذلك التأويل معروف من الله وحده.

وهذه التفرقة بين الفلاسفة والجمهور هى تفرقة تقليدية فى الفكر الاسلامى، وقد عبَر عنها الغزالى فى كتابه المعنون «إلجام العوام عن علم الكلام»، حيث يطلب فيه من العوام الايمان بما قال النبى صلى الله عليه وسلم ثم الإقرار بأن معرفة مراده ليست على قدر طاقتهم، ومن ثم يُطلب عدم السؤال عن معناه لأن سؤالهم عنه بدعة، ومع ذلك فإن ابن رشد يجيز إباحة التأويل للجمهور إذا ارتفعوا إلى مستوى الفلاسفة، أى إلى مستوى إعمال العقل فى النص الدينى.

والسؤال اذن:

هل فى إمكان الجمهور الارتفاع إلى مستوى الفلاسفة؟ وأجيب بسؤال: إذا لم يكن ذلك ممكنا فما جدوى الاشتغال بالفلسفة؟

لقد فطن سقراط إلى هذا السؤال وكان جوابه بالايجاب، ولا أدل على ذلك مما جاء فى«محاورة أوطيفرون» بمناسبة محاكمة سقراط لاتهامه بأنه ينكر الآلهة ويفسد الشباب، حيث يقول أوطيفرون: «إن المدعى العام يعلم أن التهم الموجهة إلى سقراط تلقى قبولا من العالم برمته»، أى من الجمهور، ولكن إثر إعدام سقراط ارتعب الفلاسفة وشيَد أفلاطون لهم أكاديمية وأغلق أبوابها ليمنع الجمهور من الدخول ومن يومها والفلسفة معزولة عن الجمهور.

وابن تيمية على النقيض من ابن رشد، إذ هو يرفض التأويل لأنه يصرف النص الدينى عن ظاهره الحسى، ثم هو يرفضه لأن آيات القرآن واضحة فى معناها وليس هناك خفاء، وإذا كان ولا بد من استخدام لفظ تأويل فليكن معناه التفسير. ومن هذه الزاوية فإن التأويل يعنى تفسير القرآن بالقرآن، وإذا تعذر فعلينا بالسٌنة فإنها شارحة ومفسرة للقرآن، ومن ثم يمتنع إعمال العقل وبذلك يقف المؤمن عند مستوى الحواس أو بالأدق عند مستوى السمع، ومن ثم يتساوى العقل مع السمع، حيث يقول ابن تيمية: «وجدتُ ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط، ولا يعلم حديث واحد يخالف العقل أو السمع الصحيح».

والمفارقة هنا أن العالم الغربى استدعى ابن رشد مع بداية القرن الثالث عشر ليخرج من تخلف العصور الوسطى المظلمة فترجم مؤلفاته إلى اللاتينية والعبرية، وبناء عليه تأسس تيار فى فرنسا وايطاليا اسمه «الرشدية اللاتينية» كان هو السبب فى بزوغ الاصلاح الدينى فى القرن السادس عشر والتنوير فى القرن الثامن عشر، أما العالم الاسلامى فقد أبعد ابن رشد واستند إلى ابن تيمية، وبناء عليه تأسس التخلف بلا عائق وشاع التكفير مع التخلف.

وفى عام 1979 عقد مؤتمر دولى فى القاهرة تحت عنوان «الإسلام والحضارة» وألقيت بحثاً عنوانه «مفارقة ابن رشد» وكنت أقصد بها أن ابن رشد حى فى الغرب ميت فى الشرق، وأظن أن مفارقة ابن رشد هى مفارقة العالم الاسلامى ولكن فى الاتجاه المضاد وهو أن ابن تيمية حى فى الشرق وميت فى الغرب.

والسؤال بعد ذلك: أين مكانة الدعوة إلى تجديد الخطاب الدينى فى إطار المفارقتين؟

الجواب يلزمك بالاختيار.