تركيا والبحث عن حلّ دولي للأزمة السوريّة

تركيا والبحث عن حلّ دولي للأزمة السوريّة

تركيا والبحث عن حلّ دولي للأزمة السوريّة

 يرى رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو، الذي يعقد عدداً من اللقاءات في نيويورك، أن العالم يشهد استقطاباً سياسياً. لكن العالم انتظر بشغف كلمة الرئيسين الأميركي باراك أوباما، والروسي فلاديمير بوتين، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولم تشغله الكلمة التي سيلقيها داود أوغلو هناك. وإذ يشير الى الاستقطاب يقصد أوضح أشكاله: الحرب الداخلية في سورية المتناسلة الفصول. ولم تجد كل التدخلات والاقتراحات الأميركية والروسية والإيرانية والسعودية، وطبعاً التركية، في وقف الحرب. لذا، يبحث اليوم عن حل توافقي. ويرى داود أوغلو أن السبب الرئيسي في عدم حل الصراع في سورية، هو إهمال دول العالم رأي أنقرة في حل هذه الأزمة. ولا يُخفى أن سياسة تركيا تجاه الملف السوري صاغها أحمد داود أوغلو قبل نحو 5 سنوات ويلتزمها الرئيس رجب طيب أردوغان. وركن هذه السياسة هو الإطاحة بالرئيس الأسد، منذ رفضه الاقتراح التركي في بداية الإزمة بإقرار إصلاحات سياسية. وسرت هذه السياسة الى عيد الأضحى. وقبل أيام، أعلن أردوغان أن مرحلة انتقالية يشارك فيها الأسد غير مستبعدة، شرط ألا يحتفظ بمنصبه في المرحلة النهائية للحل. وحسبنا أن هذا تصريح يشير الى تغيير كبير في السياسة التركية حول سورية. وإذ برئيس الوزراء التركي يقول أن أنقرة لم تغيّر موقفها ولن تقبل بأي دور للأسد في المرحلة الانتقالية. فبقاؤه يحول المرحلة الانتقالية الى مرحلة دائمة».

 


ويسوغ داود أوغلو موقفه الرافض دعم قوات الحماية الكردية في سورية – وأنقرة تعتبرها جماعة إرهابية - بالقول: «إذا كانت قوات حماية الشعب الكردية تستمد مشروعيّتها من محاربة داعش، هل في الإمكان إضفاء مثل هذه المشروعية على «النصرة» التي تحارب كذلك داعش؟»، لا أعرف ما إذا كان داود أوغلو جاداً في سؤاله هذا، أم أنه يحاول استمالة سياسة الاستشراق الغربية، ومفادها: «دعم الإسلاميين المعتدلين طالما لم يوجهوا سلاحهم إلينا (نحن الغربيين)، وإذا فعلوا، أعلنا أنهم إرهابيون وحاربناهم وبدأنا نبحث عن معتدلين غيرهم»!.

ويروّج داود أوغلو في نيويورك، أن قوات الحماية الكردية إرهابية ولا يجب دعمها، على رغم أنها أعلنت عزمها على دخول مدينة جرابلس الحدودية من أجل طرد «داعش» منها. والحليف الأميركي يدعمها. لكن أنقرة ترفض دخول الأكراد الى جرابلس، وتعتبر أنها ركن «المنطقة «الآمنة» أو الخالية من «داعش». وتسعى تركيا الى إنشاء مركز عسكري فيها للمعارضة المعتدلة، وهذه قوامها من التركمان السوريين الموالين الذين دربتهم وسلّحتهم. ولم نسمع، الى اليوم، أن ثمة دولة تدعم هذه الفكرة التركية. ويُترقب الى جانب من ستقف أميركا في هذا السباق لرسم مستقبل جرابلس بين أنقرة والأكراد.

ويرى داود أوغلو أن وراء عدم تجاوب دول العالم مع مشروع المنطقة الآمنة، هو الخوف من مآل الأمور. فإذا عاد اللاجئون السوريون وسكنوا في تلك المنطقة، لا يسع أحد أن يحميهم من النظام إذا قرر قصفهم. فتتحول المنطقة الآمنة الى سربرنيتشا ثانية (مذبحة في البوسنة راح ضحيتها حوالى 8 آلاف نسمة في 1992). فدول التحالف في حرب مع «داعش»، وفي وسعها صد أي هجوم «داعشي»، لكنها لن تدخل في حرب مع الجيش السوري أو حليفه الروسي في تلك المنطقة. وعليه، ترى دول كثيرة أن مشروع إنشاء المنطقة الآمنة ما هو إلا منزلق الى حرب مباشرة مع الأسد. لذا، لا يحبذ الغرب هذا الاقتراح. لكن على رغم هذا الموقف الدولي الرافض لمشروع داود أوغلو، يدور كلام رئيس الوزراء التركي على الشركات التركية التي سيتم اختيارها لبناء مساكن جديدة ومدن لإيواء اللاجئين السوريين الذين سيعودون الى «المنطقة الآمنة»!

لكن لسان حال روسيا وأميركا هو «لنبدأ بالقضاء على داعش ثم يمكننا أن نجد حلاً مناسباً لرحيل الأسد». والمجتمع الدولي يبحث في حلول وسطية وتوافقية لطي الأزمة السورية. فبعد 5 سنوات على بدئها، ثبت أن أي طرف لا يمكنه أن يحصل على ما يريد أو أن يحسم الأمور لمصلحته. وفي وقت تهز أزمة اللاجئين السوريين ضمائر دول العالم، تبدو تركيا في موقع قوة. فهي تحتضن لاجئين وتحسن معاملتهم. وعوض تسليط الضوء على دورها الإيجابي واستثماره في أروقة الأمم المتحدة، تبدّد الحكومة التركية كل هذا الجهد وتروّج لسياساتها القديمة في سورية.