اي دولة ستحكم الشرق؟

اي دولة ستحكم الشرق؟

اي دولة ستحكم الشرق؟

لا يقوم الصراع في دول المنطقة اليوم حول إسقاط رؤساء الجمهوريات الذين لا يذعنون لأوامر الولايات المتحدة الاميركية والدول الحليفة لها في المنطقة فقط للمجيء بآخرين من الحاشية، إنّما حول أي دولة مخوّلة لأن تسيطر على الشرق الأوسط في المرحلة القادمة، لا سيما بعد ثورات «الربيع العربي»، وإعادة رسم خريطة الدول التي أصابتها الحروب خصوصاً العراق وسوريا وأفغانستان وباكستان واليمن والبحرين وسواها.


وتودّ كلّ دولة أن تحمي نفسها ممّا تعتقده الخطر المتنامي في المنطقة، على ما أكّدت أوساط ديبلوماسية أجنبية، فإسرائيل تخشى من تصاعد دور إيران كقوّة عظمى ذات مساحة كبرى، مداخيلها هائلة وقد تصبح دولة غنية جدّاً مع إلغاء العقوبات الأميركية والأوروبية عنها، ولهذا تُطالب الكونغرس الأميركي بإلغاء الإتفاق النووي بينها وبين مجموعة الخمسة زائد واحد (أي ألمانيا)، كونها ستُشكّل أكبر خطر على المنطقة كلّها في المستقبل القريب.
فيما يخشى لبنان (وسوريا والعراق و...) من تنامي دور إسرائيل التي تريد القضاء على من تبقّى من الفلسطينيين في أرضهم، والاستيلاء على ما أمكنها من الأراضي الفلسطينية عن طريق الاستيطان والحصار وما الى ذلك، كونها مدعومة من أميركا بشكل أعمى. كما تملك القنبلة النووية وتستولي على كلّ الثروات الطبيعية في الجوار من دون أي مساءلة أو معاقبة، وتريد أن تُهدّم مسجدي الأقصى والصخرة لكي تُعيد بناء الهيكل مرة ثالثة مكانهما، وتسيطر على دول المنطقة ككلّ، بعد مجيء ملكها العظيم المنتظر.

وإذ تقف مصر الى جانب أميركا مجدّداً حفاظاً على وحدة أراضيها، تؤيّد السعودية ما تُطالب به إسرائيل كونها هي أيضاً تخشى من قوة إيران المستقبلية وتتمنّى إبقاء العقوبات الاقتصادية مفروضة عليها، كما إلغاء الاتفاق النووي بينها وبين الدول الغربية، في حين تلعب تركيا دور الذي يضرب على الحافر مرة، وعلى المسمار مرّة أخرى، لمعرفة ما ستؤول اليه الأوضاع في المنطقة قبل أن تتخذ موقفها النهائي، لا سيما مع تدخّل كلّ من روسيا وفرنسا في سوريا للقضاء على الإرهابيين المدعومين من قبلها لإضعاف النظام السوري والقضاء عليه.

ولكن أكثر ما يُطمئن لبنان، على ما تقول الأوساط الديبلوماسية نفسها، هو أنّ «حزب الله» بات يُشكّل خطراً كبيراً على إسرائيل، لا يُمكنها إلاّ أن تحسب له حساباً، وقد حذّرها منه أخيراً الرئيس الأميركي باراك أوباما، بالقول إنّه إذا تمّ إلغاء الاتفاق النووي، فإنّ إيران ستطلب من «حزب الله» قصف إسرائيل بالصواريخ، وقد أصبح لديه كلّ الأنواع البريّة والجويّة والبحرية، وعندها سيكون المتضرّر الأكبر هو إسرائيل. هذا عدا عن دخول أميركا وإيران في حرب قد تكون نووية ولا تنتهي بأقلّ من عشر سنوات، ولا يمكن معرفة ما ستكون عليه نهايتها.

من هنا، تدعو الأوساط الدول الى إعادة حساباتها من منطلق أنّه أمامها اليوم فرصة إعادة السلام الى منطقة الشرق الأوسط عن طريق الإعتراف بدولتي إسرائيل وفلسطين جنباً الى جنب، وحلّ الأزمة في كلّ من سوريا وما تحمله من تداعيات على لبنان ودول الجوار، كما في العراق وسائر الدول، على ما تجد الشعوب نفسها أنّه يناسبها وليس وفق مصالح الدول الكبرى، وتلك الحليفة لها في المنطقة.

فتقاسم الحصص، بحسب رأيها، سيعيد الى هذه الدول طغاة أكثر من أولئك الذين حكموها لعقود. كذلك فإنّ الإبقاء على الفوضى لن يؤدّي سوى الى المزيد من الانشقاقات والتقسيم واندثار الدول بدلاً من إنمائها وتطويرها، واعتماد النظم الديموقراطية فيها. وتجد بأنّه من مصلحة أي دولة في المنطقة عدم الدخول في حرب جديدة لأنّ ذلك لن يؤدّي سوى الى المزيد من الكوارث والمعاناة، من دون أن تنتصر أي من الدول في النهاية، بل تتدمّر بكاملها.

أمّا المؤتمرات الدولية التي ستُعقد في كلّ من جنيف (في 25 الجاري) ولندن (في 4 شباط المقبل) وسواهما من أجل توفير المساعدات للشعب السوري ودول الجوار التي تستضيف أكثر من 4 ملايين و200 ألف نازح سوري، فتجد الأوساط ذاتها، أنّه يجب خلالها الأخذ بالاعتبار أنّ بلداً كلبنان، على سبيل المثال، لا يمكنه استضافة مليون ونصف مليون نازح سوري الى ما لا نهاية، حتى ولو أُغدقت عليه المساعدات المالية من كلّ حدب وصوب، والحال ليس كذلك، ولن يكون إلاّ من أجل تثبيتهم أي توطينهم فيه، وهو يرفض هذا الأمر رفضاً قاطعاً.

في الوقت الذي تسعى فيه الدول الأوروبية الى إبقاء النازحين السوريين في الدول المضيفة، لا سيما بعد أن جرّبت «الهجرة غير الشرعية» اليها في أواخر العام الماضي، ما دفعها الى اتخاذ الإجراءات اللازمة من إغلاق الحدود أو مراقبتها لوقف أعداد المهاجرين الذين تدفّقوا اليها بأعداد كبيرة، علماً أنّ تركيا هي التي فتحت لهم هذا الباب لتتخلّص من الآلاف منهم. ولكن سرعان ما لمست دول الإتحاد الأوروبي أنّهم سيُشكّلون خطراً كبيراً عليها في السنوات القادمة، لهذا تسعى الى طردهم بحجّة أنّه عليهم البقاء في الدول التي ينسجمون مع عاداتها وتقاليدها أي في لبنان والأردن وتركيا ومصر، خصوصاً بعد ما قام به عدد من النازحين من تحرّشات ليلة رأس السنة في بعض الدول الأوروبية.

أمّا الدول المضيفة، ولا سيما لبنان المتضرّر الأكبر من وجود النازحين على أرضه، ديموغرافياً واجتماعياً وإقتصادياً وتربوياً وإستشفائياً، فيُطالب بضرورة إعادة أكبر عدد منهم الى المناطق الآمنة في بلادهم، وقد باتت مساحة تلك تفوق مساحة لبنان بأضعاف حيث يمكنهم ممارسة حياتهم كما في السابق وإيصال المساعدات الإنسانية لهم عن طريق المنظمات الدولية، الى حين إيجاد الحلّ النهائي للأزمة السورية وإعادة إعمار سوريا وتأمين عودة أبنائها كافة.