انهيار الاتحاد السوفياتي وسعي روسيا إلى مكانه

انهيار الاتحاد السوفياتي وسعي روسيا إلى مكانه

انهيار الاتحاد السوفياتي وسعي روسيا إلى مكانه

بدأ تاريخ القرن العشرين مع الثورة الروسية، لكن كثراً لا يعرفون ما انتهت إليه هذه الثورة وما ختامها. وثمة أفلام كثيرة تناولت نهاية هتلر والنازية ولكن نهاية «هومو سوفياتيكوس» (الإنسان السوفياتي) والنظام الشمولي غامضة، ولم يسلط الضوء بعد على العوامل التي أدت إليها. وعلى رغم أن الرئيس الأميركي رونالد ريغان رغب في «تركيع» الاتحاد السوفياتي، لم يساهم في انهياره، ولم يكن له أي دور في تداعيه. ورأينا جدار برلين يسقط ولكننا لم نتساءل عن أسباب سقوطه. فهذه التغيرات لم تقع بسبب وقوف الاتحاد السوفياتي وميخائيل غورباتشوف (أمين عام الاتحاد...) موقف المتفرج وترك الأمور على غاربها. وحري بالقارئ تذكر أن المجر أسقطت حدودها السوفاتية، وقطعت الأسلاك الشائكة على حدودها مع النمسا. ولم يبلغ غورباتشوف منصبه وهو عازم على «قلب النظام رأساً على عقب»، ولكنه كان يرغب في تحسين النظام، وليس الرجل الذي دمر النظام السوفياتي على ما هو ذائع في روسيا، فحال الاتحاد حملته على ترك اشتراكية إنسوية أو إنسانية الوجه إلى جبه التحديات والمشكلات من غير مواربة. فهو أدرك أن النظام كله مستنفد وأن حاله لا تخفى على أبنائه. وفي كارثة تشيرنوبيل، لمس الروس بأم العين كذب النظام. وتساءل المؤرخ اندريه أمالريك في 1970 إذا كانت الحياة ستكتب للاتحاد السوفياتي بعد 1984... ويقتضي تقصي صدوع الاتحاد السوفياتي العودة إلى عهد خروتشوف، فهو تجرأ وتناول مسألة ترحيل الجماعات الإتنية، وأعلن أن العقيدة الأممية سحقت الشعوب. وتقريره الذائع الصيت في 1956 هو وراء بدء عملية التداعي وانفراط عقد الاتحاد. فالروس استمعوا إلى تقرير خروتشوف وهو يذاع، وسالت دموع الشيوعيين. وخلف أثره في جيل الستينات. وعست نيران التشظي في كل أوروبا الشرقية إثر التقرير هذا. فهو اشعل فتيل انفجار الاتحاد.


والحق يقال ارتخت لحمة الاتحاد السوفياتي في 1917 لحظة الثورة. ولكن الرفيق لينين حال دون انفراط عقده، ورص صفوفه متوسلاً إرادته الصلبة وخطاب ديماغوجي يعلي شأن الصداقة بين الشعوب. وعلى سبيل المثل، لطالما اضطهدت السلطة السوفياتية أوكرانيا ودللتها في آن معاً. ومكانة أوكرانيا راجحة في خريطة النزاعات المجمدة. وهي كانت شاغل بوريس يلتسين الهوسي، وكان يرفض الانفصال عنها والقطيعة. واضطر إلى منحها الاستقلال. وحين زار باريس في 1988 لتوقيع كتابه، سألته عن الإمبراطورية، فقال إنها تتفكك، وتجب تصفيتها وإن الاولوية هي لوحدة الشعوب السلافية الثلاثة مهما كلف الأمر. فأوكرانيا هي موئل روسيا، وبيلاروسيا هي روسيا البيضاء.

والروس يقبلون اليوم استقلال أوكرانيا، على رغم أنهم يرون أن بلديهما من طينة واحدة. واستعادة بوتين القرم ساهمت في رفع شعبيته. وضم القرم إلى أوكرانيا هو فكرة «خروتشوفية» سخيفة. فالقرم هي بلاد التتار، وأوجه الشبه بينهم وبين الأوكرانيين ضعيفة. ولكنه ضمها إلى أوكرانيا لاسترضاء أهلها: فهو كان جزار أوكرانيا في الثلاثينات. وشكا الأوكرانيون وقتاً طويلاً من عملية «الروسنة» (فرض الطابع الروسي واللغة الروسية عليهم). ولكن الأوكرانيين الناطقين بالروسية يشكون، اليوم، عملية «أوكرنة». وتاريخ أوكرانيا ولد من عمليات قمع كبيرة. فالأوكرانيون ضاقوا ذرعاً، في 1654، بهيمنة المملكة البولندية – الليتوانية على المنطقة، وطلب زعماء القوزاق حماية روسيا ثلاث مرات. فضمت إليها في عهد القيصر ألكسيس، وهو الثاني في سلالة آل رومانوف. وكان الأوكرانيون يرون أن الإمبراطورية النمساوية- المجرية التي كانت تهيمن على غرب أوكرانيا بالغة الليبرالية ولا تتناغم مع عاداتهم ولا ثقافتهم. وفي 1945، ضم ستالين الشطر الغربي من أوكرانيا في حوادث مخيفة. فلم يسع الأوكرانيين قبول هذا الضم. وأطياف هذه المأساة تلاحق من هم في السلطة في كييف إلى اليوم. وهذا وراء المشاعر المعادية للروس والغضب القومي. والجراح لم تندمل بعد. والطلاق بين روسيا وأوكرانيا وقع في ظروف بالغة التعقيد. وحين قبل غورباتشوف فكرة توحيد شطري ألمانيا، أبلغ المستشار الألماني هلموت كول وجايمس بيكر، وزير الخارجية الأميركي، وكل محاوريه الغربيين، رفضه توسع الناتو إلى شرق أوروبا. ولسوء حظ روسيا، لم يطلب ضمانات خطية، ورضي بتعهدات شفهية.

ولا شك في أن حرب أفغانستان وجهت ضربة قاضية إلى الاتحاد السوفياتي. فهي من وجه ساهمت في بروز المجتمع المدني الروسي ورص صفوفه وتنظيمه مع نشوء حركة أمهات الجنود التي نددت بعنف الجيش السوفياتي، ومن وجه آخر أخرجت الحرب هذه الاتحاد السوفياتي في صورة دولة إمبريالية عدوانية. وحسِب بريجنيف حين شن حرب أفغانستان أن هذا البلد قد يرتقي إلى كوبا ثانية في الاتحاد السوفياتي، ولكنه صار في مثابة فيتنام... ونظر الغرب إلى بوريس يلتسن (الرئيس الروسي) على أنه مخرب، وأساء التقدير. وبدا أن غورباتشوف أوروبي المظهر. وكانت زوجته تقصد دور الأزياء الباريسية وتسدد حسابها بواسطة بطاقة مصرفية، على خلاف زوجة يلتسين التي لم تملك مثل هذه البطاقة شأن غيرها من الروس. فهي أرادت أن تبقى أحوالها مثل سائر الروس. وكانت تعلم زوجها بأن الناس يقفون في صفوف طويلة وينتهي بهم الأمر إلى الحصول على أغذية فاسدة، وتدعوه إلى الوقوف عند المشكلة ومعالجتها. ولم يرحب الغرب بروسيا يلتسين. ووقعوا في سوء فهم. وانتظر الروس أن تعتني بهم أوروبا وتمد لهم يد العون على ما فعلت مع البولنديين ودول شرق أوروبا. ولكن أوروبا خذلتهم ولم تكترث لأمرهم.

والفرنسيون لا يرون أن الروس أوروبيون. والروس أنفسهم لا يُجمِعون على هذه الهوية، فهم من جهة يميلون إلى فكرة الانتماء الأوروبي، ومن جهة ثانية يتمسكون بفرادتهم. ولكن النخبة الروسية أوروبية من غير شك. ويرغب الروس في ألا ينظر الأوروبيون اليهم نظرة استعلاء، فهم عاشوا في ظل إمبراطورية قوية. وبين ليلة وضحاها، تجاهل الأوروبيون بلدهم أو نظروا إليه نظرة ازدراء. وشب الروس في بلد مترامي الأطراف من القوقاز إلى القطب الشمالي. ثم صاروا فجأة أغراباً في أوكرانيا وجورجيا ودول البلطيق.

أوكرانيا وسورية

واليوم ثمة انقسام جغرافي- سياسي في فرنسا بين من يتبنى الرؤية «الأميركية» إلى مستقبل أوروبا ومن يلتزم رؤية تشرع أبواب أوروبا على العالم الآسيوي والقارة الأوروبية كلها. وشخصية بوتين شائكة. وهو يرغب في أن تبلغ روسيا مبلغ قوة أميركا. وهذا أمر عسير. ويحسب بعضهم أن عملية ضم القرم هي من بنات تخطيط طويل الأمد. ولكنني أرى أنها وليدة لحظة أدرك فيها بوتين في شباط (فبراير) 2014 أن في الإمكان استعادة أوكرانيا. فاقتنص الفرصة السانحة. والروس يرون أن القرم روسي وليس أوكرانياً. ولكن كثراً منهم يدركون أن القانون الدولي لا ينتهك على ما انتهكه بوتين. ويدرك الروس كذلك أن الإمبراطورية انتهت ولن تبصر النور، وأن أوكرانيا مستقلة. وبين عام 2000 و2008، سعى بوتين إلى انتشال بلاده من فوضى ما بعد المرحلة السوفياتية واستعادة مكانتها في المجتمع الدولي. وأفلح في ذلك إلى حد بعيد. ثم تنازل عن السلطة طوال 4 سنوات. ولم يعجبه الأمر. وحسِب ميدفيديف أن في امكانه الترشح إلى ولاية ثانية، ولكن بوتين أعلمه بتعذر ذلك. وأخذ عليه «ضعفه» في الحرب على ليبيا.

وسورية هي الركن الأخير من سياسة خروتشوف الطموحة في الشرق الأوسط. وأركان هذه السياسة ثلاثة: مصر وسورية والعراق... واليوم لم يبق غير سورية. ولكن يجب عدم الخلط بين الاهتمام بسورية وبين بشار الأسد. وتتمسك روسيا اليوم بالأسد لأنها ترى أنه وازن في بقاء الدولة السورية. ولكن قد لا يكون إنقاذه أولوية بوتينية في المستقبل. ونفوذ روسيا في سورية يتصدر الأولويات. ولا يستهان اليوم بنمو الإسلام الراديكالي في روسيا نفسها. ففي مناطق شمال القوقاز، المناطق المسلمة في الفولغا، وفي سيبيريا والأورال، ثمة مؤيدون للدولة الإسلامية. وتأييد «الدولة الإسلامية» هو خطر متعاظم في روسيا، والرغبة في كسر شوكة «الدولة الإسلامية» عامل راجح في التدخل الروسي في سورية، فهذا الدور لا يختزل بالرغبة في «إنقاذ بشار» فحسب.