النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي أقل عنفاً من الأزمة السورية

النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي أقل عنفاً من الأزمة السورية

النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي أقل عنفاً من الأزمة السورية

ليست حوادث اليوم انتفاضة جديدة، على رغم ان ثمة أوجه شبه بين الهجمات بالسكاكين في الشوارع الاسرائيلية في اختتام الانتفاضة الاولى (1987-1993) وهجمات اليوم. وتسعى «حماس» الى النفخ في الحركة الشعبية اليوم، ولكن نفوذها ضعيف في الضفة الغربية جراء قمع السلطة الفلسطينية والسلطات الاسرائيلية. والى اليوم، لم تدعم «فتح» ما يجري. ولكن لا أحد يعرف الى متى ستقبل قوى الأمن الفلسطينية الوقوف موقف المتفرج ازاء قتل الجيش الاسرائيلي من يلقون الحجارة. وتدخلها (القوى الأمنية) يوسع النزاع على ما حصل في العام 2000. ويتوسل الشباب الذين ينفذون الهجمات بوسائل الاتصال الاجتماعي الى تنسيق عملياتهم وأنشطتهم. وهذا دليل على انهم لا ينضوون في بنية مركزية.


ووراء اندلاع الأزمة اليوم غياب الأمل في مستقبل واعد وغلبة الإحباط. فالفلسطينيون يرون ان الاحتلال يتعاظم، شأن الاستيطان والقمع. وقبل الانتفاضة الاولى، كان بعض اليهود يتسوقون في الضفة الغربية وكانت اليد العاملة العربية ترفد الاقتصاد الاسرائيلي. وكانت احوال كل مجتمع لا تخفى المجتمع الآخر. وكان ثمة جسور بين المجتمعين الفلسطينيي والاسرائيلي. ولكن هذه الجسور تبددت. واليوم، لا يعرف الفلسطينيون من الاسرائيليين غير رجال الشرطة والمستوطنيـــن. وأجيال كثيرة من الاسرائيليين خدمت خدمة عسكرية في الاراضي المحتلة في مؤسسات «تعنف» الشعب الفلسطينــي. والاحتلال السلمي ليس من بنات الواقع، ولا صلة له بالواقع.

وتدور فصـــــول النزاع في أرض مقدسة. والارض موضوع النــزاع منقسمة الى اثنتين: الأولى تحمل طابعاً مزدوجاً مقدس ديني وقومـــي، والثانية هي أراض «زمنية» حيث يعيش النــاس ويعمــلون. والمشروع الصهيوني يسعى الى احتــــلال كل شبر منها. وتاريخ النزاع مداره على هذه الاراضي. فالانتفاضة الاولى دارت على الاراضي او الاقاليم «الزمنية»، والثانية على الاراضي المقدسة في المسجد الاقصى.

حل الدولتين؟

من العسير إرساء دولة ثنائية القومية في وقت تتعاظم الكراهية ومشاعر النقمة والمهانة. ويحتاج الناس الى التعبير عن هوياتهم الوطنية (القومية) ورفع شاراتها: علم ونشيد وطني وجيش... ويحلم كل من الشعبين الفلسطيني والاسرائيلي بالانفصال عن الآخر. وهذا حلم متعذر التحقيق. فمساحة الاراضي لا تسمح بالانفصال. ولا تزيد مساحة اسرائيل وفلسطين عن مساحة محافظة فرنسية كبيرة. وما السبيل الى فصل شبكات الري والكهرباء والتلفون؟ والحل الوحيد هو إنشاء نظام من دولتين تتولى ادارة مشتركة فيهما شؤون موارد الطاقة والمياه وشبكات الهاتف والاتصال. وهذا الحل هو أثر بعد عين.

واسحق رابين لم يكن صانع سلام. وهو اغتيل لأنه تخلى عن اسرائيل الكبرى وقرر الاحتفاظ بثلث الضفة الغربية فحسب. ولا أحد يعرف إن كان الفلسطينيون سيقبلون عرضه. وخشيت الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة تناول تفاصيل اتفاق سلام وإعداد لائحة تفصيلية بالاراضي المزمع الانسحاب منها مخافة ان تتسرب المعلومات الى الصحافة الاسرائيلية. وكانت جعبة الحكومة الاسرائيلية خالية من خطط تفصيلية أو اقتراحات حين شاركت في مؤتمر كامب ديفيد الثاني في عام 2000. والفلسطينيون لم يحملوا كذلك مقترحات، ففكرة التنازل عن أراض غير مقبولة.

ويُفتقر اليوم الى مسؤولين سياسيين اسرائيليين قادرين على تنفيذ خطط الحل، ومنها معايير خطة اقترنت باسم كلينتون في عام 2000 وتلك التي نوقشت في جنيف في 2003.

والسلطة الفلسطينية أمام معضلة تعصى الحل: إدارة شؤون الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الضفة الغربية بواسط تمويل دولي، والعجز عن إبرام اتفاق سياسي ووقف الاستيطان. وبعض المقربين من أبو مازن يرون ان وقف التعامل مع اسرائيل، هو خيار معقول أكثر من التمسك بالسلطة الذاتية إذا اقتصرت هذه على خدمة المحتل.

سورية وضحايا اليرموك الفلسطيني

النزاع السوري بالغ العنف وقوته التدميرية تفوق قوة النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني. ففي أربعة أعوام من الحرب الأهلية في سورية، فاق عدد القتلى ضحايا ربع قرن في النزاع الاسرائيلي- الفلسطيني. وقتل نظام بشار الأسد بين 2011 و2015 عدداً أكبر من الفلسطينيين مما قتلت اسرائيل منهم في عشرين سنة. ولا شك في ان قصف مخيم اليرموك حيث يموت الناس جوعاً، مخيف: آلاف الاشخاص يفارقون الحياة من غير أي رد دولي. ولسان حال الفلسطينيين ان العرب يحبون فلسطين ولكنهم لا يحبون الفلسطينيين. لذا، لم تنصب مأساة مخيم اليرموك صنو مأساة صبرا وشاتيلا.

وإلى اليوم وعلى رغم اضطرابات الشرق الاوسط، ترتجى فائدة من الحل السياسي للنزاع الفلسطيني - الاسرائيلي. فهو يساهم في تقويض مشاعر معاداة الغرب. وهذه المشاعر تربة خصبة لتجنيد الإسلاميين، من السنّة والشيعة.