المواطن العربي معرض للهجرة 30 مرة أكثر من الآخرين

المواطن العربي معرض للهجرة 30 مرة أكثر من الآخرين

المواطن العربي معرض للهجرة 30 مرة أكثر من الآخرين

ليس إطلاق تقرير «الهجرة الدولية في العام 2015» مثله اليوم كما في أي عام. المواطن العربي «معرّض للهجرة أكثر بثلاثين مرة من غيره من سكان العالم». ووصل عدد اللاجئين في بعض الدول العربية الهشّة، كما لبنان، إلى نسبة لاجئ من كل أربعة اشخاص من سكان البلاد.


فالمنطقة العربية التي شكّل موقعها عبر التاريخ، أهمية كبرى في ما شهدته من موجات هجرة منها وإليها، صارت شعوبها تترك أوطانها ليس فقط تحت ممارسات الأنظمة الديكاتورية على أنواعها، وسعياً وراء العلم وفرص العمل، وإنما تحت نيران وجرائم الحروب المندلعة من فلسطين المحتلة، القضية الأم، إلى العراق والسودان فليبيا وسوريا واليمن بالإضافة إلى التوتر الأمني والمواجهات في دول عربية وأفريقية عدة.
كانت الهجرة، (باستثناء تهجير خمسة ملايين فلسطيني بعد اغتصاب واحتلال بلادهم من قبل إسرائيل) وقبل غزو العراق في التسعينيات، ومن ثم الحراكات السياسية والنزاعات التي اندلعت بدء «ثورة الياسمين» في تونس أواخر العام 2010، وصولاً إلى الحرب الدموية في سوريا، وقبلها الحروب الانفصالية والنزاعات في السودان، كانت من أهم العوامل في حركة التغيير الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة. ولكن مع التطور الدراماتيكي في حركة الهجرة القسرية والنزوح، لم يعد الكلام فقط عن الأثر الإيجابي للهجرة على قطاعات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، كالصحة، والتنمية الحضرية، وتنمية الشباب، والعلاقات بين الجنسين. صار لزاماً على الأمم المتحدة والدول الأطراف وانطلاقاً من منظومة حقوق الإنسان البحث في سبل معالجة ألأسباب وليس التداعيات للأزمات، بل «للجمع بين الإغاثة العاجلة والبحث في الحل السياسي الجذري والشامل»، كما أكدت وكيلة الأمين العام والأمينة التنفيذية للأسكوا الدكتورة ريما خلف، خلال إطلاق تقرير «الهجرة الدولية للعام 2015 تحت عنوان «الهجرة والنزوح والتنمية في منطقة عربية متغيرة في الإسكوا أمس.
نحن نتحدث هنا عن نحو خمسين مليون مهاجر عبر العالم، تشكل المنطقة العربية الرقم الأصعب في المعادلة في الاتجاهين، منها وإليها. الهجرة إلى المنطقة العربية تعرضت لنكسات كبيرة أيضاً لتشهد هجرات معاكسة منها للقادمين إليها، والمثل الليبي، هو الأوضح في هذا المجال، إذ تهجر نحو 750 الف مهاجر من ليبيا مع مواطنيها الذين غادروها بسبب النزاعات القائمة هنا منذ إطاحة رئيسها السابق معمر القذافي وصولاً إلى المواجهات المستعرة حتى الآن في معظم مدنها.
والحال في سوريا ليس بأفضل، إذ تخطى عديد اللاجئين منها الأربعة ملايين مواطن سوري، استقبل لبنان النسبة الأكبر من بينهم (نحو مليون ومئة الف مسجل رسمي، بالإضافة إلى نحو أربعمئة الف لايمتلكون مستندات قانونية) وهو النزوح الأكبر بعد تهجير خمسة ملايين فلسطيني أغتصبت بلادهم. ويضاف إلى هؤلاء نحو سبعة ملايين نازح داخل سوريا.
وتستوعب بلدان عربية عدة لاجئين ومهاجرين من خارج المنطقة، لا سيما من أفريقيا الوسطى، والقرن الأفريقي، ومالي. وهو ما يطرح «تحديات خطيرة، نظراً إلى حاجة هؤلاء الملحّة إلى الحماية، وشدة الضغوط المفروضة على المجتمعات المضيفة ومجتمعات المنشأ»، وفق التقرير. وتشير التقديرات إلى وجود حوالي ثلاثة ملايين و276 الف من النازحين داخلياً في العراق حتى كانون الثاني 2015، وذلك نتيجة لتداعيات الأزمة السورية على العراق والصراعات السابقة.
وتسبب غزو العراق في العام 2003 بلجوء أعداد كبيرة من العراقيين إلى بلدان مجاورة، وصلت إلى 2.5 مليون لاجئ، معظمهم إلى الأردن، وسوريا، ولبنان . ويضمّ القرن الأفريقي 965,732 لاجئاً صومالياً مسجلاً موزعين بين كينيا، وإثيوبيا، واليمن. ويضاف إليهم 1,107,000 من النازحين داخلياً. وقد نزح هؤلاء على أثر نزاعات مستمرة منذ العام 2011، وموجات من الجفاف والمجاعة. وخلّف النزاع في السودان حوالي 625,870 لاجئاً سودانياً إلى البلدان المجاورة حتى تشرين الأول 2014، وحوالي 3,100,000 نازح داخلياً حتى كانون الثاني 2015. وفي السنوات القليلة الماضية، أدت النزاعات في أفريقيا الوسطى إلى موجات لجوء وهجرة قسرية عبر شمال أفريقيا، ولا سيما السودان وليبيا ومصر. وأدت أساليب الهجرة إلى مقتل أكثر من 22,400 شخص وهم يحاولون الانتقال بالقارب عبر البحر الأبيض.
الهجرة إلى البلدان العربية.
في المقابل، تضم المنطقة العربية كتلاً مهاجرة كبيرة. ففي العام 2013، بلغ عدد المهاجرين في البلدان العربية الاثنين والعشرين 30,308,131 مهاجراً دولياً، أي أكثر من ضعف العدد الذي سجلته المنطقة في العام 1990 وهو 14,848,583. وتبلغ نسبة هؤلاء 8.24 في المئة من مجموع عدد السكان في المنطقة العربية مقابل 6.5 في المئة في العام 1990 ويتوزع المهاجرون في مختلف أنحاء المنطقة، ويتركز معظمهم في بلدان مجلس التعاون الخليجي وبلدان المشرق العربي.
وفي الخلاصات التي قدمها التقرير، تم التأكيد على أن ظاهرة التحركات القسرية للسكان في المنطقة العربية «لن تتوقف ما لم تنتفِ الأسباب، لذا فمن الضروري السعي للتوصل إلى حل سياسي منصف يضع حداً للنزاعات التي تعصف بالمنطقة. وتم التشديد على مراعاة خطط التنمية لاحتياجات المهاجرين والنازحين والمجتمعات المضيفة بالتزامن مع تقديم المجتمع الدولي كل الدعم الممكن.
وعلى الصعيد التربوي تحتم حقوق الإنسان إتاحة التعليم للاجئين، والنازحين داخلياً، وغيرهم من الأشخاص في عمر الدراسة، إما في المدارس المحلية أو في مدارس موازية تنشأ لتلبية احتياجاتهم. وأن يلتحق الأطفال المقيمون خارج المخيمات عادة بالمدارس الرسمية، بينما تنشأ نظم تعليمية بديلة للمقيمين داخل المخيمات. وعرض التقرير لأهمية تمكين اللاجئين، والنازحين داخلياً، وغيرهم من المهاجرين من الاعتماد على الذات لتخفيف الأعباء الاقتصادية عن كاهل المجتمعات المضيفة. لكن هذه الإجراءات يجب أن تترافق مع تدابير لمعالجة البطالة في المجتمعات المحلية، ولا سيما بين الشباب والنساء، أكثر الفئات تضرراً. وطبعا يجب الأخذ بعين ألاعتبار مسألة الاستدامة البيئية وعدم استهلاك الموارد الطبيعية بطريقة مخالفة للنظم البيئية مما يؤدي إلى تدميرها. ولتجنب الأثار السلبية على المجتمعات المضيفة لا بد من بذل جهود متضافرة لبناء علاقات طيبة بين المهاجرين قسراً والمجتمعات المحلية المضيفة لدرء كل أسباب التوتر.
وبالإضافة إلى الدكتورة خلف تحدثت في إطلاق التقرير المديرة الإقليمية للشرق الأوسط وإفريقيا الشمالية في المنظمة الدولية للهجرة كارميلا غودو.