العراق المحتل: العشوائية الأميركية والتنظيم الروسي

العراق المحتل: العشوائية الأميركية والتنظيم الروسي

العراق المحتل: العشوائية الأميركية والتنظيم الروسي

يعرف المستشار الالماني الأسبق كونراد اديناور التاريخ بكونه المجموع العام للأحداث المهمة التي كان يمكن تجنبها. وها هو هذا التعريف يصح الآن نموذجيا لوصف الأحوال التي يمر بها العراق والاقليم المحيط به. ففي خضم الصراعات الدائرة في أوساط العصابة الطوائفية الحاكمة، ثمة حال من الارتخاء في جبهة «الإصلاح» المنهارة لأسباب ثلاثة: الأول هو الحديث الاميركي الاعلامي عن تحرير الأنبار من خارج نطاق المعرفة والارادة الحــــكومية. والثاني يتمثل بالضغوط الايرانية لتأجيل أو اخضاع عملية «الاصلاح» لمبدأ مـــقاومة «داعش» وهزيمته. والثالث، بالدخــــول الروسي المباغت علناً الى العراق والربط بين الوضــــعين في «سوراقيا» من أجل قتال «داعش» واستئصاله.


المكونات العمياء وفيل القتال
تبدو اللوحة الراهنة أقرب الى التبعثر منها الى الاندماج في الخط العام للصراع. إن نظرة المكونات الثلاثة، التشيع السياسي، والتسنن السياسي والكردية العنصرية، إلى «فيل» القتال هي مدهشة في تطابقها مع الحكاية الهندية القديمة، الفيل والعميان الثلاثة. إذ إن كلاً منهم يأخذ انطباعا خاصا به حين يلمس جزءاً معينا من الفيل. فـ «التشيع السياسي» يعتبر «ناب» الفيل دعوة لاستكمال معاركه العسكرية ضد «داعش» ومن لف لفهم من كل القوى «السنية» المسلحة وبغض النظر عن الفروقات الجوهرية بين الأطراف المختلفة على أرض الواقع. و «التسنن السياسي» يفسر «ظهر» الفيل بأنه المتراس الذي يجب أن يُشيّد من أجل مكافحة الحكومة الحالية ومحاولة تبديل قياداته السياسية للتكيف مع المتغيرات السريعة الجارية، وذلك من أجل فرض تسوية ملائمة جديدة إذا نضجت عناصرها أو حــصل انسحاب تدريجي نحو مشروع «الاقلــيم السني». أما «الكردية العنصرية» فهي تُرضي عقيدتها القائلة بأن الخرطوم هو الأفعى الطائرة السحرية التي تساعدها على الانتقال من الفدرالية الاميركية الكاذبة الى الاستقلال الملفق.
يحصل هذا فيما أميركا تحاول على ضوء هذه الأوهام أن تؤكد أن «الحقائق» يجب ألا تقف في طريق هذه الأقصوصة. وهي إذ تشعر بأن سياساتها اللزجة في إرضاء الجميع قد وصلت إلى زاوية احتمال خسارة الجميع، ترى ان لا مناص من القيام بعمل سياسي جديد لإجراء بعض التغييرات الطفيفة على شكل العلاقات الداخلية في «العملية السياسية»، لا على مضمونها الاجتماعي والحكومي الفعلي. وهي قد خطت خطوات ثقيلة وباردة في هذا الاتجاه، محاولة إبعاد «الحشد الشعبي»، ومستشاره الفريق السابق وفيق السامرائي، عن معارك افـــتراضية مقبلة، منها الأنبار، وتسليح بعض العشائر «السنية» هناك، وأخيرا الدفع في اتجاه تشكيل «الاقليم السني» كمنصة للإعلام والضغط السياسي وليس كإنجاز معنوي مستقر. لكن المشكلة التي تقع فيها اميركا دائما هي أنها تلجأ برعونة الى محاولة قطف ثمار النــتائج قبل نضوجـــها، ما دفع بأهـــم المحللين السياسيين والعسكريين الى القول بأن مــكابرة ادارة «اوباما» لا يمكنها أبــــدا أن تغســـل عار هزيمتها في قــيادة التحالف العالمي لمحاربة «داعش».
ضعف ميداني وتزوير الوقائع العسكرية
يقر السفير الاميركي لدى الفضائيات العربية البرتو فرنانديز و «المشرف» على «المركز الاستراتيجي لمكافحة الإعلام الارهابي إن اميركا في إعلامها المضاد للارهاب المسلح وتشدقها في قتال «داعش» من خلال استعراضاتها الرياضية في عمليات القصف، قد أنشأت حالة «أصبحت فيها ممارسة العنف أمراً يدعو الى الاعجاب بدلا من أن يكون مدعاة للنفور». علما أن الحصاد دائما ما يكون يابسا، لا سيما أن مفرداتها اليومية لا تجزم أبدا أن «داعش» معادية للسنة قبل الشيعة ولا تشيع تعابير محايدة في نعت الدوافع السياسية للسلوكات اليومية للاسلام السياسي المسلح. أما موقع «ايرين» الاعلامي الانساني، والذي كان سابقا مرتبطا مع الأمم المتحدة، فهو ينشر جداول الهجرات والنزوح الداخلي لملايين السنة في العراق ومن دون أدنى اكتراث من قبل الاحتلال أو الادارة الأميركية، ما جعل اياد علاوي، أحد أعمدة الحكومة السبعة، يصرح بأن البلاد وصلت إلى قعر الهاوية. فيما المحلل العسكري الاميركي غريغوري هوكر فهو يوجه الادانة الكاملة إلى ادارة «اوباما» قائلاً إنها تغطي على جرائم حقيقية تحصل في البنتاغون، حيث يعطي ضباط التحليل هناك صورا وردية عن معارك اميركا الجوية في العراق ويغيرون تقارير دامغة تتهم الادارة بالتقاعس وترددها في محاربة «داعش». ويعقّب بأن زمن فييتنام قد ولى وأن رياضة احصاء الجثث المتراكمة قد ذهبت ادراج الهزيمة السابقة، والحرب الآن مستمرة من دون أن يكون لها هدف محدد.
أميركا والحروب المتحركة
وبرغم أن أوراق الشاي المهربة من واشنطن لم توفر المعلومات الصحيحة حول استقالة الجنرال جون الن من منصب المستشار الخاص للرئيس اوباما في الحرب على «داعش»، الا أن التقارير المتداولة في الإعلام الاميركي قد أشارت الى الأسباب الحقيقية وراء إحباط وتراجع ألن. وهي تتمثل بالفجوة الكبيرة بين النشاط الدبلوماسي والسياسي وتحقيق الفعالية العسكرية على أرض الواقع. لكن الحقائق القاسية تجزم بأن هذه «التعليقات» مفضوحة، لأن ألن يعيد انتاج فشله الأول في العراق، حين كان يتمتع بمسؤولية مهمة في رعاية وتوجيه «الصحوات»، تلك التشكيلات المسلحة التي استعملت في «الاندفاعة» في أعوام 2006-2008، من أجل تحطيم المقاومة «المسلحة» وتأجيج الحرب الأهلية وتطهير بغداد البيولوجي تحت شعار محاربة «القاعدة» والارهاب المسلح.
والفرق الجوهري الذي لم يدركه ألن هو أن «الصحوات» اعتُبرت قوى عسكرية جانبية «موقتة»، بينما تريد واشنطن حاليا من تسليح العشائر وتشكيل «الحرس الوطني» جعلهما قوى «دائمة» تؤسس الانقسام الفدرالي الذي قد يعمل من أجله، وكذلك تهيئة هذه التشكيلات للمنازلة مع القوى والميليشيات المسلحة «للتشيع السياسي» من أجل تفجير الحرب الأهلية الشاملة. أما الفروقات الفعلية الأخرى، فهي تبين لنا أن الوضع العشائري السابق كان حيويا ومتماسكا في تعاونه مع الاحتلال وحكومته، والعشائر كانت طموحاتها محدودة ومتواضعة وراغبة في الاندماج بـ «العملية السياسية». في المقابل، فالوضع العشائري الآن مفكك ومخترق من قبل «داعش» وغيرها، وطموحات العشائر السياسية كبيرة وتتمنى موقعا بارزا في اللوحة الراهنة للصراع سواء في العلاقة مع الحكومة في بغداد أو في «الاقليم السني» العتيد.
ويبرز هنا سؤال حول الأسباب الحقيقية للفشل الأميركي. هل هو فقط نتاج عدم اكتمال بناء قوى العشائر المسلحة وعدم انجاز «الحرس الوطني»؟ أم رفض أميركا الغامض للطلب التركي المكرر لاقامة مناطق عازلة وآمنة في كل من غرب وشمال العراق وشمال وشرق سوريا؟ أم امتناع الادارة الاميركية عن تلبية رغبات ألن في تشكيل جحافل أرضية مشتركة، وهو ما يستحيل تحقيقه الآن؟ إن الأسباب الفعلية للاستقالة تكمن في ميدان آخر للتحليل. إنها بسبب «التدخل الخطأ لأسباب خطأ،» والذي ينجم عنه بطء وكسل وتراخٍ ينتهي إلى نشاطات غير مجدية وأعمال ليس لها أفق. لا تملك الامبريالية الاميركية أسباباً منتجة في سياساتها التاريخية وهي تركز على العنف المنظم بمكر منهجي وبسيولة تكرار التجربة.
وأميركا تصر علنا على أنها لا ترغب في القتال أو ليس لها القدرة ولا تتحمل الاشتباك، لكنها مثل المنادي والوسيط في سوق الخيول، تتدخل في التفاصيل. وهي تركز جل اهتمامها في تجاربها الاحتلالية، ومنها فييتنام والعراق، على جعلها أرضاً مؤاتية لولادة نظرية متكاملة في إعادة احتلال بلدان أخرى، وهكذا دواليك. والفشل ليس في استخبارات الحروب هذه وانما قطعا في المخيلة الاميركية نفسها التي تستند إلى ثقافة ساذجة ومتغطرسة ومتخلفة في معرفتها بالشعوب وتاريخها. والنتيجة الفاقعة أن المصادفات لا تتطابق مع التوجيهات، لتصل الى أن استراتيجية «الخروج» تصبح دائما هي المأزق الجديد الذي يتوج المأزق القديم. وهي في نظرتها «الثنائية» الصافية للصراعات المصيرية تحدق مركزيا في تحديات «سياستها الخارجية» بأنها إما «سياسية» نقــية أو «عسكرية» نقية في طبيــعتها، والبيروقراطية الأمنية العسكرية في «المؤسسة» الامـــيركية هي التي تشجع وتبالغ في هذه الازدواجية؛ ومــــن ثم تدفع الثمن في فقدان «التزامن» بين الحلّين السياسي والعـسكري.