''ملوك الطوائف'': ملحمة تاريخية فنيّة مبطّنة برسائل سياسيّة

''ملوك الطوائف'': ملحمة تاريخية فنيّة مبطّنة برسائل سياسيّة

''ملوك الطوائف'': ملحمة تاريخية فنيّة مبطّنة برسائل سياسيّة
احتضن المسرح الأثري بقرطاج سهرتين متتاليتين يومي 15 و16 جويلية 2019، لعرض مسرحية ''ملوك الطوائف''، والتي تحتفي بمرور 16 سنة على انطلاقها، من تأليف القدير منصور الرحباني وإخراج مروان الرحباني وموسيقى غدي وأسامة وإلياس الرحباني وبطولة غسان صليبا وهبة طوجي.

عرض تاريخي ملحمي يعتبر النقطة المضيئة الوحيدة للقائمين على مهرجان قرطاج لما يحمله من رسائل إنسانية وسياسية ومن لوحات واستعراضات وأوبيرات فنية قيمة تليق بعراقة مسرح قرطاج.
على مدار ما يقارب الثلاث ساعات عجّت المدارج بجمهور إستثنائي من مختلف الشرائح الإجتماعية والعمرية لم يغادر مكانه ولو لدقيقة واحدة ليس فقط لمواكبة التسلسل الزمني للعرض بل أيضا لقداسة المسرح وقدرته على وضع الإصبع على موطن الداء، وفي الحقيقة لم يكتفي الكبير منصور بتعرية موطن واحد من الداء بل سلّط الضوء على العديد من الأوبئة التي تنخر أجسادنا وتربك أفكارنا وتشتّت مجتمعاتنا.

ملوك الطوائف: مسرحية سياسية تراوح بين عبق التاريخ و تجليات الحب


تروي مسرحية ''ملوك الطوائف'' حقبة هامة من تاريخ العرب في الأندلس، يوم انقسمت الدولة الموحّدة إلى 22 دولة وحكم كلّ ملك مملكة على حدى... وسعى آنذاك كلّ حاكم إلى كسب ودّ ملك قشتالة الملك ألفونسو السادس بغية الإطاحة ببقية الحكّام والإنفراد بالسلطة بينما الظاهر كان مختلفا فكان حكّام الـ 22 دولة متحابين متكاتفين إلاّ أنّهم في الحقيقة ''منافقين''.
كما تسرد المسرحية بعيدا عن السياسة قصّة حبّ ملهمة جمعت بين ملك أشبيلية المعتمد بن عباد (غسان صليبا) وإعتماد الرميكية( هبة طوجي)الغسالة التي أصبحت سيدة القصر وكانت سندا لزوجها والعقل الرصين وصاحبة مبادئ ممّا أربك الوزراء المحيطين بالمعتمد وحاولوا التخلّص منها.


التاريخ يعيد نفسه


تاريخ ''ملوك الطوائف'' في المسرحية يعود إلى القرن الحادي عشر لكنّ التاريخ يتكرّر اليوم فكانوا 22 ممكلة ونحن اليوم 22 دولة عربية، كانوا يحيكون الدسائس ويتربصون لبعضهم البعض وحكّامنا اليوم مولعون بالسلطة وحياكة الأزمات، كانوا خائنين لرعيتهم يستنجدون بالأجنبي لقضاء مصالحهم الشخصية وحكّامنا اليوم غير آبهين بشعب مهمش مفقر مقصي وكلّ يغني على ليلاه متمسّك بالسلطة خائن لصناديق الإقتراع ينافق ويجامل لكسب ودّ أطراف أجنبية وجهات سيادية.
المفارقة هي أنّ التاريخ يتكّرر بحذافره، بسوداويته وهزائمه ومتاعبه وتداعياته السلبية على الشعب الذي ملّ وكلّ فشل ساسته وانقساماتهم المتواصلة على مدار سنوات وتشبثهم بأضواء الشهرة وغنائم السلطة متناسين أنّهم زائلون والوطن وحده الباقي، الوطن لن يخون شعبه، الوطن أبدي وحبّه أبدي ولا يقاس بأيّ مقياس.

''ملوك الطوائف'': ملحمة فنية واختيارات تنمّ عن حرفية


عرض ''ملوك الطوائف'' ليس فقط درس في التاريخ بل كان غوصا في تفاصيل فنية وروحانية وجسمانية لا حدود لها: لوحات إستعراضية بربرية وأندلسية وإسبانية حيث تفنّن المخرج مروان الرحباني في اختيار راقصين محترفين إلى جانب رؤيته السينوغرافية المبدعة من ديكورات وأزياء وإضاءة على الركح فيما تبقى اختيارات الموسيقى والأغاني قمّة في الحرفية والدقّة: غسان صليبا الصوت المقتدر كان مبدعا كما عهدناه منذ عقود أماّ هبة طوجي فهي ''جوكر'' الرحابنة، هبة الفراشة الحالمة أثبتت عن جدارة أنّ ما وصلت إليه من شهرة عالمية ليس من فراغ فصوتها ورقصها وتمثيلها السهل الممتنع جعلها اليوم نجمة ساطعة تحلّق في مكان بعيد بمفردها لا أحد لديه القدرة على منافستها...

قدّم الرحابنة بعرض ''ملوك الطوائف'' عبرة لعلّ حكامنا العرب يعتبرون منها ويسقطون الغشاوة عن أعينهم، الدرس وثّق على ركح مسرح قرطاج والمغزى منه واضح لكنّ يبقى السؤال المطروح هل أنّ الوزراء والسياسيين الذين واكبوا العرض استوعبوا الدرس؟؟؟ بالطبع لا ... لا وألف لا ... فالفنّ لا يجدي نفعا مع من لا إحساس له.

أميرة الشارني
 



إقرأ أيضاً