لا صلة بين الهجمات الباريسيّة وأزمة اللاجئين

لا صلة بين الهجمات الباريسيّة وأزمة اللاجئين

لا صلة بين الهجمات الباريسيّة وأزمة اللاجئين

لا صلة بين الهجمات الدموية في باريس وبين أزمة اللاجئين الأوروبية. ولا شك في ان الهجمات لم تقع بسبب استقبال فرنسا اللاجئين. فهي على خلاف ألمانيا والسويد، لم تشرع الأبواب أمام أعداد كبيرة منهم. ولا تقوم قائمة لإلقاء لائمة تنظيم هجمات معقدة على اللاجئين الوافدين أخيراً من الحرب السورية. فالأشخاص الذين تسلقوا الجبال أو عبروا المتوسط على قوارب مطاط لم يبادروا فور بلوغهم فرنسا إلى حمل السلاح والإنقلاب الى قتلة إرهابيين.


القتلة الفعليون يعرفون باريس حق المعرفة. وتعرفت الشرطة الفرنسية على واحد منهم، وهو فرنسي من أصحاب السوابق. وعدد من الإرهابيين قاد سيارة مستأجرة تحمل لوحة بلجيكية. ولا يشغلني كيف دخل القتلة الآخرون فرنسا: فهذه العملية لم ينظمها لاجئون. فمن يقف وراءها اختار الاهداف - المقصف الليلي، المسرح، والملعب الوطني- في حي مندمج يقصده الباريسيون على اختلاف منابتهم. ولكن العقل الانساني يفتقر في أحيان كثيرة الى المنطق. ففي دقائق قليلة من بث الخبر العاجل - وقبل تحديد هوية القتلة - بادر كثر الى الربط بين مسألة اللاجئين والإرهاب. وعدد ممن ربط بين المسألتين هم أميركيون من أمثال بن كارسون (مرشح جمهوري) الذي دعا الولايات المتحدة، إثر هجمات باريس، إلى صد الأبواب في وجه لاجئي الشرق الاوسط.

وتمس الحاجة الى الفصل بين المسألتين وفهم ما حمل الناس على الربط بينهما. ورأى كثر ان أوروبا فقدت زمام الأمور في جبه أزمة اللاجئين، منذ بادرت المستشارة الالمانية، أنغيلا مركل، أحادياً الى تغيير قوانين اللجوء في أوروبا في الصيف. ومبادرة مركل - التي أيدها شطر كبير من الألمان في وقت أول - شجعت آلاف الناس على عبور المتوسط في رحلة خطيرة. وعلى رغم الطقس البارد، يبلغ، شهرياً، 250 الف لاجئ الاتحاد الاوروبي. وهذه الاعداد الضخمة تربك أجهزة خدمات اللاجئين في أكثر الدول كرماً وترحيباً بهم، وتهدد بإطاحة اتفاق شنغن الذي ألغى المعابر الحدودية بين دول الاتحاد. فالسويد فرضت قيوداً على حركة العبور على حدودها للسيطرة على دفق الناس. وشيدت سلوفينيا وهنغاريا (المجر) بوابات على حدودهما مع كرواتيا.

ولا شك في ان الجانب اللوجيستي من الأزمة الأوروبية لا يضاهي الجانب السياسي منها. فطوال أعوام، بل عقود، نصّبت ألمانيا نفسها حارسة القوانين الاوروبية. فسواء في التعامل مع الازمة اليونانية أو جبه الاجتياح الروسي لأوكرانيا، التزمت برلين التزاماً وقوراً الاتفاقات التي ذيلتها بتوقيعها أو تعهدت التزامها. وحين غيرت سياستها أو ما درجت عليه، بين ليلة وضحاها، من غير التشاور مع الأوروبيين، وألزمت كل الدول الاوروبية التكيف مع قرارها، عمّ الاستياء القارة. وتفاقم الهجمات الارهابية مشاعر عدم الامان والانطباع بأن ثمة فراغاً على المستوى المحلي والدولي في توجيه دفة جبه تحديات الإرهاب وموجات اللاجئين. هذا الشعور يتفشى حتى في الدول التي لم تواجه مشكلة الارهاب أو لم تستقبل لاجئين. وإذا لم يظهر الإتحاد الأوروبي على انه يمسك بمقاليد الامور، بلغ الوضع السياسي مبلغاً خطيراً. فعلى امتداد القارة، يتعاظم تأييد تيارات أقصى اليمين. وبدأت جماعات معادية لأوروبا أو مناوئة للاجئين تنتشر في بولندا وهولندا والسويد وفرنسا نفسها. وتشد هذه الحركات عود الحركة المعادية لأوروبا في بريطانيا. ونفخت في سياسات حكومة الرئيس الهنغاري، فيكتور أوربان، القومية واليمينية، وهي استغلت هذا الصيف أزمة اللاجئين ورفعت نسبة تأييدها الشعبي.

وتبرز الحاجة اليوم في أوروبا إلى إرساء الأمن والاستقرار ومد جسور الثقة بين الاوروبيين ومؤسساتهم. وحري بفرنسا وحلفائها أن يجمعوا بين التسامح المجتمعي والإستبسال في القتال ضد إرهاب «الدولة الاسلامية» الراسخ. وتحتاج أوروبا، على الأمد الطويل، الى استراتيجية عسكرية متماسكة ترمي الى تدمير «الدولة الإسلامية» لا الى احتوائها فحسب. وعلى الأمد القصير، وفي سبيل حماية حرية الحركة والتنقل في أوروبا والحؤول دون بروز حكومات يمينية متطرفة وبلوغها السلطة، على دول أوروبا السيطرة على حدودها وإنشاء مراكز استقبال للاجئين ودرس ملفاتهم في نقاط الدخول وتنظيم دوريات حرس سواحل. وليس الداعي الى مثل هذه الاستراتيجية صلة مفترضة بين اللاجئين وهجمات باريس، بل الحاجة الى الحؤول دون توسل المتطرفين المخاوف الأمنية الى بلوغ الحكم.

والتعاطف حيوي، ولا يجوز إغفال ضحايا الحرب السورية. وفي الإمكان استقبال عدد منهم في الاتحاد الأوروبي. لكن يجب تنظيم عمليات الاستقبال على نحو ما فعلت أوروبا في الماضي.