الصحة العمومية في تونس.. أو ''إن عــاش''

الصحة العمومية في تونس.. أو ''إن عــاش''

الصحة العمومية في تونس.. أو ''إن عــاش''

في أول مشاهد مسرحية الممثل القدير كمال التواتي ''إن عاش''، التي تمثل رؤية فنية فريدة للواقع بنظرة تجمع بين الكوميديا والدراما، تظهر الشخصية المسرحية، لهذا الممثل المتمكّن، وهي تقوم بنزع جلباب أبيض قد يكون رمزا للقيود المتعارف عليها التي توضع لمرضى القصور الذهني في المستشفيات العقلية، خاصة وأن مسرحية ''الوان مان شو''، "إن عاش''، تصوّر حياة رجل يعيش أزمة حالات متعددة من الأرق المستمر، قبل أن يستهل العرض بجملة لها دلالات كثيرة: ''سيّب.. سيّب.. يحبو يفكولي الغطاء متاعي.. يحبو يخلوني عريان...''، هذه الجملة قد تنسحب على واقع الصحة العمومية في تونس، الواقع الذي عرّته الحوادث الأليمة التي جدت مؤخرا، من كارثة مستشفى الرابطة إلى قضية مستشفى جندوبة.


لم يكن يوم السبت 19 مارس 2019، يوما عاديا، حين صُدم التونسيون بكارثة وفاة 11 وليدا في مستشفى الرابطة بالعاصمة، نتيجة تعفّن جرثومي ما، أو شيء من هذا القبيل، أمر لم توّضحه لجنة التحقيق التي تم تشكيلها في الغرض، حين عقدت ندوة صحفية مؤخرا حول الحادثة، لم تقدّم فيها الكثير سوى أنها أعلمتنا أن العدد الجملي للرضّع المتوفّين أو بالأحرى ''المقتولين'' كان في حدود 15 رضيعا في الفترة الممتدة بين 6 و10 مارس الجاري، كما بيّنت حينها أن ''تحديد أسباب الوفيات لم يتم حصره بعد إلا أن المتهم الرئيسي في الأمر هو التعفن الجرثومي الذي لم يُعرف بعد من أين أتى''.

ولأن تحميل المسؤولية للأشخاص، ليست من إختصاص لجنة التحقيق، فإن إجابة رئيس اللجنة محمد الدوعاجي، الذي ترأس الندوة الصحفية أنذاك، لم تكن مقنعة، إذ حاول تجنب الإقرار بأن خطأ بشريا كان وراء الحادثة، إلا أنه سقط في فخ ''التعويم والتبرئة''، من منطلق الزمالة الذي صار منهجا يبرّء الذمم لا لشيء، إلا لحفظ ماء وجه القطاع، علاوة على أن الصحة العمومية باتت منذ زمن في قفص الإتهام في علاقة بمختلف الحوادث المرتبطة بالتقصير أو الإهمال التي وقعت في مؤسسات صحية عمومية، رغم أن وزير الصحة إستقال ولم يغيّر قراره الكثير.

ولأن للحدث بعد درامي حزين، فقد إهتز الرأي العام، على تلك الصورة السيئة التي إجتاحت وسائل التواصل الإجتماعي، حين قامت إدارة مستشفى الرابطة بتسليم جثامين الولدان لذويهم، في علب كرتونية، في صورة أساءت للمستشفى خاصة ولقطاع الصحة العمومية ككل، رغم التبريرات الواهية التي صدرت من بعض الأطراف الذين حاولوا كَنس الأمر بلسان المزايدة.

ورغم أن منظومة الصحة العمومية في تونس محل تشكيك ونفور منذ فترة طويلة، إلا أن بشاعة حادثة وفاة رضّع الرابطة كانت بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس، والسقطة التي أدارت رقاب الجميع لمنعرج خطر تلّف على جانبه البلاد بمنظوماتها المعطوبة، من إقتصاد ومال وأعمال، وسياسة، غير أن عطب المنظومة الصحية قد يكون أخطر منهم جميعا، لإرتباطه المباشر بحياة المواطن.

وفي هذا الإطار، يقول الممثل كمال التواتي في مسرحيته ''إن عاش'': ''أحسن حل ندوروها شُـعبي''، ربما ينجح الأمر إن تغاضى المواطن عن صحته واستعاض بـ''الرعواني''، كما يقولون، عن المستشفيات التي قد تكون، وبنسب ليست بالقليلة، سببا في وفاته.

وليعظم الأمر وتستمر المحنة، فقد إهتز الرأي العام مجددا، أمس، على وجود حالات وفاة في المستشفى الجهوي بجندوبة بسبب نقص فقدان أدوية تسريح الشرايين، حيث توفي 8 مرضى ممن تعرضوا لأزمات قلبية، منذ بداية العام، لأن الأدوية التي كانت لتنقذ حياتهم لم تكن متوفرة، وفق تصريح الكاتب العام لنقابة الأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان بجندوبة بشير السعيدي، الذي تساءل في تصريحه، وبشكل وجيه: ''هل سعر هذه الأدوية أغلى من أرواح متساكني جندوبة ؟ ''.

بالفعل، قد لا يكون للثمن إعتبار مقارنة بحيوات الناس، غير أن اللامبالاة إجراء رخيص، يكلّف المال ويهدر الوقت ويتسبب أيضا في الوفاة.

واقع الصحة العمومية في تونس، ميّت أو يكاد، ولمن لايؤمن بهذا، قد يجيبه التواتي بهذه الجملة من مسرحية ''إن عاش''، التي قالها في مشهد طريف، حين صوّر لجمهوره أنه في حوار مع طبيبه بالمستشفى، أين قال له: ''مانسيْبوك من هنا.. إلا ماتطلق الريــح''.

نـ.غ

Crédit Photo : Yassine Gaidi