الجزائر: ''يتنحاو ڤــاع'' ويبقى الوطن

الجزائر: ''يتنحاو ڤــاع'' ويبقى الوطن

الجزائر: ''يتنحاو ڤــاع'' ويبقى الوطن

يوم كتب الشاعر الجزائري الراحل مفدي زكريا، أبيات النشيد الوطني لبلاده، سنة 1956، والتي قال في مطلعها:

قسما بالنازلات الماحقات.. و الدماء الزاكيات الطاهرات

و البنود اللامعات الخافقات.. في الجبال الشامخات الشاهقات

نحن ثرنا فحياة أو ممات.. و عقدنا العزم أن تحيا الجزائر..

فاشهدوا.. فاشهدوا.. فاشهدوا..


لم يتوقع أن يستمر عبق أبياته إلى مابعد القرن العشرين، ويصل شذاهُ إلى ساحات وهران والبليدة وبجاية و'العاصمة'، ومدن أخرى، ويرفلَ بين الشوارع والمدن المكتضة والعمارات الشاهقة، لينبت مجددا في عقول شباب البلاد الذين خرجوا منذ أشهر منادين بتغيير النظام، متمسكين بسلمية التحركات وداعين إلى ضرورة التغيير، التغيير الذي يعلم الجميع أنه عادة مايكون عصيا أو داميا في الأقطار العربية، لأسباب تتعلق بـ''جنون العظمة'' و''هوس المناصب'' وأشياء أخرى.

ولأن للتاريخ صدفٌ جميلة، فقد توفي الشاعر الجزائري مفدي زكريا، صاحب الأبيات الخالدة، في تونس، ليرسم المدّ الزمني بين حياته ومماته عقدا فريدا يعكس الروابط الدموية والإجتماعية الصلبة بين القطرين التوأمين، 'تونس والجزائر'، علاوة على أن التاريخ خلّد أيضا رابط 'الجهاد المشترك الذي جمع البلدين، نخبا وشعبا، في مواجهة المستعمر أنذاك.

الأحداث تسارعت مؤخرا في بلد المليون شهيد، وتتابعت الوقائع التي حرّكت سكونها الإنتخابات الرئاسية في البلاد، إذ أن قرب الموعد الإنتخابي وصعوبة مواصلة عبد العزيز بوتفليقة لمهامه، نظرا لوضعه الصحي، دفعت الشارع للتحرك والنخب للتصادم والجيش للظهور في الواجهة، حيث لعب دورا محوريا منذ إنطلاق الحراك الشعبي الرافض لترشح بوتفليقة للعهدة الخامسة وحتى تخلّيه رسميا عن حكم البلاد، أين برزت حرب البيانات والتصريحات وطفت على السطح 'عداوة' الإخوة و'خصومة' حلفاء الأمس، وإكتشفنا كما إكتشف أغلب الجزائريين، أسماءً وشخصيات وازنة لها دور خفي في تحريك النظام هناك، أسماء تكررت كثيرا في وسائل الإعلام الجزائرية حال إستقالة الرئيس، منها سعيد بوتفليقة، عبد القادر بن صالح، نور الدين بدوي، الطيب بلعيز، قايد صالح وغيرها من الأسماء الأخرى.

عمق الإرتباطات بين تونس والجزائر، جعل الفترة الحالية الحساسة في تاريخ بلد 'جميلة بوحيرد' محط أنظار الجميع هنا، سلطة وشعبا، دون الذهاب لأبعد من المراقبة والتريث، والذي قد يضر بمسارات نضال الشعب الجزائري ومطالبته بحقوقه سلميا، ولأن لتونس عهد مع التغيير فقد إلتقت أغلب المواقف، وإن تباعدت، على ضرورة ترك الأمور تأخذ مجراها، حتى تتّضح الصورة، وهو ما أكده رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، حين تحدّث في ندوة صحفية بمقر الأمم المتحدة، عن الوضع في الجزائر قائلا: ''إن تونس لاتقدم دروسا.. والشعب الجزائري يعرف مايفعل''، وهو ماتأكد فعلا بعد أن أظهر الجزائريون للعالم أن التغيير ممكن ولايحتاج للرصاص أو للحروب بالوكالة.

سيظل تاريخ 2 أفريل 2019، راسخا في عقول الجزائريين والعرب، لفرادته ورمزيته، وخاصة لما يمثله من قطع مع مسلمة أن ''الرؤساء العرب لا يتغيرون إلا بالتآمر أو بالدم''، علاوة على أن الشعب في الجزائر خرج منتصرا من ''معركة'' قد تتواصل أو قد تكون لها جولات أخرى، إلا أن الفرح بانتصار مرحلي، مباح للجميع ومتاح لمن يرى علوية الوطن ويؤمن بأن الحق ملكٌ لأصحابه وإن طال الأمد.

الشعب الجزائري يدرك جيدا أن الأمر لم ينتهِ باستقالة بوتفليقة، وهو ما أكدته قناة البلاد المحلية، اليوم الاربعاء، حيث أفادت بأن ''عشرات المواطنين، طالبوا أمس، بعد خروجهم إلى الشوارع للاحتفال بالإعلان عن استقالة الرئيس بوتفليقة من منصبه بعد 6 أسابيع من الحراك الشعبي السلمي ضد استمرار حكمه بتطبيق المادتين 7 و 8 من الدستور، عبروا عن رفضهم لتولي رئيس مجلس الأمة عبد القادر بن صالح لمنصب الرئاسة، ولقيادة الوزير السابق للداخلية نور الدين بدوي للحكومة، وأكدوا أنهم سيخوضون تحركات أخرى رافضين لعدد من الشخصيات، ومطالبين بتلبية طموحات الشعب، والتي تكمن أساسا في التغيير الجذري للنظام''، وهو مايشي بأن ''المعركة مستمرة''.

ولأن للدستور الجزائري دوره في مايحصل من أحداث سياسية في البلاد، فقد إهتم كثيرون بمآل الأمور بعد تنحي الرئيس من وجهة نظر قانونية، إذ نقلت وكالة الأنباء الجزائرية بنود الدستور التي تتعلق بشغور منصب رئيس البلاد، وفيها تنص المادة 102 من الدستور على أنه: "في حالة استقالة رئيس الجمهوريّة أو وفاته، يجتمع المجلس الدّستوريّ وجوبا ويُثبِت الشّغور النّهائيّ لرئاسة الجمهوريّة. وتُبلّغ فورا شهادة التّصريح بالشّغور النّهائيّ إلى البرلمان. الّذي يجتمع وجوبا".

وحسب نفس النص "يتولّى رئيس مجلس الأمّة، مهام رئيس الدّولة، لمدّة أقصاها 90 يوما، تنظّم خلالها انتخابات رئاسيّة، ولا يَحِقّ لرئيس الدّولة المعيّن بهذه الطّريقة أن يترشّح لرئاسة الجمهوريّة".

كما ينص الدستور الجزائري على أنه "إذا اقترنت استقالة رئيس الجمهوريّة أو وفاته بشغور رئاسة مجلس الأمّة لأيّ سبب كان، يجتمع المجلس الدّستوريّ وجوبا، ويثبت بالإجماع الشّغور النّهائيّ لرئاسة الجمهوريّة وحصول المانع لرئيس مجلس الأمّة".

ويضيف "في هذه الحالة، يتولّى رئيس المجلس الدّستوريّ (الطيب بلعيز) مهام رئيس الدّولة. ويضطلع رئيس الدولة المعين حسب الشروط المبينة أعلاه بمهمة رئيس الدولة طبقا للشّروط المحدّدة في الفقرات السّابقة، ولا يمكنه أن يترشّح لرئاسة الجمهوريّة".

ويشغل منصب رئيس مجلس الأمة حاليا عبد القادر بن صالح، وهو الرجل الثاني في الدولة دستوريا، وينتمي سياسيا لحزب التجمع الوطني الديمقراطي؛ ثاني أكبر الأحزاب تمثيلا في البرلمان وراء حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم، كما أنه يعتبر من المقربين من رئيس البلاد عبد العزيز بوتفليقة.

بينما يتولى الطيب بلعيز، رئاسة المجلس الدستوري، منذ شهر فيفري 2019، (بعد وفاة مراد مدلسي)، ويعد من الشخصيات المقربة أيضا من بوتفليقة، عدة مناصب وزارية من بينها وزير العدل، ووزير الداخلية، وشغل مدير ديوان الرئاسة، كما تولى من قبل رئاسة المجلس الدستوري لغاية 2013.

بين القراءات السياسية والتحركات الشعبية والمآلات الدستورية، ترسم الأحداث في الجزائر، في مرحلة فارقة تعيشها البلاد، وسط ترقب يسود الأقطار المجاورة والعواصم البعيدة، على أن لا تُفلت دفّة المسيرة من اليد العليا 'يد الشعب' حتى يرسوَ الأمل على ضفاف التغيير الحقيقي، إلى حينها.. 'فاشهدوا..' كما قال مفدي زكريا.

ن. غريبي